القاضي النعمان المغربي
278
المناقب والمثالب
يخرجوا من حرب أصحاب الجمل حتى دخلوا في حرب صفين ، ولا انصرفوا عن حرب معاوية حتى وقعوا في حرب الخوارج ، وكانوا من أهل البصائر فيهم ، فزال منهم صدر بزوالهم . وأصحاب معاوية على خلاف ذلك ، بالقرب من دارهم في حال راحتهم وجمامهم ، والامداد تأتيهم ، وأهل الطمع في حطام الدنيا والركون إليها يزيدون إليهم . وممّا قوّى عزائمهم وزاد عندهم في بصائرهم وحقق ما شبّه به معاوية عليهم ، ما كان من أصحاب علي عليه السّلام إليهم في أول يوم واقفوهم فيه ، وذلك ممّا قدّمنا ذكره من حدّة أصحاب علي عليه السّلام وإقدامهم واستقباحهم الآراء دون إمامهم ، من أن أصحاب معاوية نادوهم بما تصافوا وتواقفوا : ادفعوا إلينا قتلة عثمان ونحن لكم سلم ، فلم يدعوا الجواب إلى إمامهم فيجيبهم بما تقوم الحجة في ذلك عليهم ، ولعل ذلك لو كان لكسر من عزمهم وأبصر الحق كثير منهم ، لكنهم نادوهم بأجمعهم في الوقت استخفافا بهم واستهانة بجوابهم : كلّنا قتلة عثمان ، فرأى القوم أنه قد حلّ لهم قتالهم وقتلهم ، لما زيّنه معاوية وأصحابه لهم « 1 » . وذكرنا فيما تقدم فساد قول معاوية في الطلب بدم عثمان ، والواجب في الطلب بذلك لو قد كان . فبهذه الأسباب وغيرها قويت أمور معاوية وتهيأ له أن قاوم عليا عليه السّلام وناصبه ، وادّعى الأمر معه وحاربه ، وإلّا فمن أين كانت الأذهان تقع على ذلك والعقول تقبله والأوهام يتوهمه ، وبينهما الارتفاع والخفض كمثل ما بين السماء والأرض .
--> ( 1 ) - أنساب الأشراف : 279 ، الأخبار الطوال : 163 ، شرح نهج البلاغة : 15 / 75 ، البداية والنهاية : 7 / 288 .