القاضي النعمان المغربي
270
المناقب والمثالب
[ الداهية عمرو بن العاص ] ولمّا رآه عمرو بن العاص وما نقم الناس عليه وأجمعوا له فيه ، خرج إلى أرض له بفلسطين ، حتى أتاه الخبر أن عثمان قتل وبايع الناس عليّا عليه السّلام ، ولمّا أراد اللحوق بمعاوية استشار ابنيه عبد اللّه ومحمدا ، فقال له عبد اللّه : يا أبت أرى لك أن تتق اللّه وتلزم بيتك حتى يجتمع الناس على أمر فتدخل فيه ، فإنما أنت هامة اليوم أو غد . وقال له محمد : أنت ناب من أنياب العرب وشريف من أشرافها لك حظك منها ونصيبك ، فلا أرى لك أن يختلف العرب في هذا الجسيم من أمرها وأنت معتزل في بيتك ، حتى تأخذ نصيبك ممّن يصير ذلك إليه . فقال عمرو : أمّا أنت يا عبد اللّه فأشرت عليّ بما هو أفضل وأسلم لي في أمر آخرتي ، وأمّا أنت يا محمد فأشرت عليّ بالذي هو انبه لذكري وأفضل في أمر دنياي . ثم توجه نحو معاوية فألفاه قد داخل أهل الشام بالملاطفة لهم والتحبب إليهم ، يعود مرضاهم ويتفقدهم ويحضر جنازتهم ، ويجلس لهم فيعظهم ويرغبهم في القيام بدم عثمان ويقول : أنتم خير قوم من المسلمين قمتم في دم خليفتكم المظلوم وأنتم وأنتم ، ويذكر لهم ثواب ذلك بزعمه ويرغّبهم فيه . فأقام عنده عمرو أياما ليجد عنده ما أراده ، فقال له ابنه عبد اللّه : واللّه ما أرى معاوية يشتغل بك ، فقد أهلكت دينك ولا أراك أصبت دنياك وكان يرجوا أن يفرّق بينه وبين معاوية ويصرفه عنه . فقال : دعني حتى أبانيه . فخلا به يومئذ فقال : يا معاوية لا تنزلني منزلة طغام أهل الشام الذين تستميلهم بقصصك عليهم غدوة وعشية ، تخبرهم أنهم يطلبون بدم خليفة من خلفاء اللّه قتل مظلوما ، وتخبرهم أنه من مات منهم دخل الجنة ومن عاش عاش على خير مجاهد في سبيل اللّه ما الأمر على ذلك ، وأن من مات على ما أنت ونحن عليه معك لإلى