القاضي النعمان المغربي

255

المناقب والمثالب

معاوية . فصعد وأثبته ، وأوهم من سمع ذلك أنه الذي اتفقا عليه . فأنكر ذلك أبو موسى وقال لعمرو : لعنك اللّه فإنما أنت كالكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث . وقال عمرو : بل أنت ، فلعنك اللّه فإنما أنت كالحمار يحمل أسفارا . وافترقا على ذلك يلعن كل واحد منهما صاحبه ، وخاض الناس في ذلك وكانت في أصحاب علي عليه السّلام فرقة من أجله ، واعتزل الخوارج عنه الذين أصرّوا أولا على التحكيم ، ولم يروا دفع ما دعا معاوية إليه من كتاب اللّه ، وقالوا : كان ينبغي لعلي أن لا يرجع إلينا وأن يمضي على ما هو عليه من الحق . وقوى أمر معاوية فادّعى بهذه الخديعة والحيلة الخلافة ، وتسمّى بأمير المؤمنين ، وثبت مع علي عليه السّلام أهل الحق والعلم والبصائر . وهذا الذي كان من أمر معاوية وعمرو بن العاص وخديعته أبا موسى وفعل أبي موسى « 1 » ، ولو لم يخدع وكان قد أتى ذلك على قصد إليه بإجماع من المسلمين ، غير لازم لعلي عليه السّلام ولا مخرج من يده ما قد جعله اللّه تعالى إليه ، لأن المسلمين قد أجمعوا على أنه ليس للوكيل على أن يعدو أمر من وكّله ولا يخالفه ، وأنه إن خالف ذلك لم يجز فعله عليه فيما لم يجعل إليه ، وإنما يجوز من ذلك ما جعله له وأمره به ليس له أن يعدوا ذلك إلى غيره ، ولا أن يحيله عن وجهه ، ولا أن يخالف شيئا منه ، فإن فعل ذلك أو شيئا منه على خلاف ما جعل له لم يلزم من وكّله شيء من ذلك ، فكذلك إن استقضى الإمام قاضيا أو استعمل عاملا وأمره بالعمل بالحق فخالفه إلى الباطل ، كان تباعة ذلك عليه ولم يكن من ذلك شيء على من استعمله ، وقد استعمل

--> ( 1 ) - راجع : الطبقات الكبرى : 4 / 257 ، الأخبار الطوال : 201 ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 190 ، تاريخ الطبري : 4 / 52 ، تاريخ دمشق : 46 / 174 .