القاضي النعمان المغربي

17

المناقب والمثالب

لجاز أن يكون ذلك في مثله ممّا استثناه اللّه عزّ وجلّ في كتابه وأوجبه في إيجابه ، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا أو يرى ممّا إذا وجّه على هذا الوجه الذي وجّهه هؤلاء ، عاد الحلال به حراما والحرام حلالا والعذاب رحمة والرحمة عذابا والصواب خطأ والخطأ صوابا . ويقال لهذا القائل : أفترى أن اللّه عزّ وجلّ رخّص بهذا القول في عداوة القربى وبغضهم ؟ فإن قال : لا ، نقض قوله ، وإن قال : نعم ، سئل عمّا أوجب ذلك لهم لقرابتهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ووجبت بغضهم وعداوتهم ، ولا أحسب أحدا يقول ذلك ، وهذا من أبعد تأويل وأضعف قول قيل . وقال آخرون قوله : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا : كانت للنبي صلّى اللّه عليه وآله قرابة في كل العرب فسألهم أن يودّوه لقرابته منهم « 1 » . وهذا قول من لم يتدبر قول اللّه جلّ ذكره كما أمره به ، فلم يقتصر اللّه عزّ وجلّ في هذا القول على العرب خاصة فيكون ما قاله هذا القائل ، بل عمّ بذلك جميع المؤمنين من الناس كافة ، لأنه إنما قال عزّ وجلّ : ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فدخل في هذه المخاطبة من المؤمنين جميع العرب وغيرهم ، فدل ذلك على إبطال تأويل من تأول هذا التأويل الذي ذكرناه . وقال آخرون : نسخ هذه الآية قوله : قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ « 2 » .

--> ( 1 ) - نسب إلى ابن عباس ، انظر : تفسير الطبري : 25 / 31 ح 23686 ، الدر المنثور : 6 / 6 . ( 2 ) - سورة سبأ : 47 .