علي الأحمدي الميانجي
68
مكاتيب الأئمة ( ع )
وَوجودِ مُعَلِّمِها الّذي عَلّمَها عِبادَهُ ، مِمّا لا يُدرَكُ عِلمُها بِالعُقولِ فَضلًا عَنِ الحَواسِّ ، ولا يَقَعُ عَلَيها الأوهامُ وَلا يَبلُغُها العُقولُ إلّابِهِ ؛ لأنّهُ العَزيزُ الجَبّارُ الّذي دَبَّرَها ، وجَعَلَ فيها سِراجاً وَقَمَراً مُنيراً ، يَسبَحان في فَلَكٍ يَدورُ بِهِما دَائِبَينِ ، يُطلِعُهما تارَةً وَيُؤفِلُهُما أخرى ، فَبَنى عَلَيهِ الأيّامَ وَالشُّهورَ وَالسّنينَ الّتي هِيَ مِن سَبَبِ الشّتاءِ وَالصَّيفِ وَالرَّبيعِ وَالخَريفِ ، أزمِنَةٌ مُختَلِفَةُ الأعمالِ ، أصلُها اختِلافُ اللَّيلِ وَالنَّهارِ اللَّذينِ لَو كانَ واحِدٌ مِنهُما سَرَمَداً عَلى العِبادِ لَما قامَت لَهُم مَعايِشُ أبَداً ، فجَعَلَ مُدَبِّرُ هذهِ الأشياءِ وخالِقُها النّهارَ مُبصِراً وَاللَّيلَ سَكَناً ، وَأهبَطَ فيهِما الحَرَّ وَالبَردَ مُتبائِنَينِ ، لَو دامَ واحِدٌ مِنهُما بِغَيرِ صاحِبِهِ ما نَبَتَت شَجَرَةٌ وَلا طَلَعَت ثَمَرَةٌ ، وَلَهَلَكَت الخَليقَةُ لِأنَّ ذلِكَ مُتَّصِلٌ بِالرّيحِ المُصرَّفَةِ فِي الجِهاتِ الأربَعِ ، باردَةٌ تُبَرِّدُ أنفاسَهُم ، وَحارَّةٌ تُلقِحُ أجسادَهُم وَتَدفَعُ الأذى عَن أبدانِهِم وَمَعايِشِهِم ، وَرُطوبَةٌ تُرَطِّبُ طَبائِعَهُم ، وَيُبوسَةٌ تُنَشِّفُ رُطوباتِهِم ، وَبِها يَأتَلِفُ المُفتَرِقُ وَبِها يَتفَرّقُ الغَمامُ المُطبِقُ ، حَتّى يَنبَسِطَ في السَّماءِ كَيفَ يَشاءُ مُدَبِّرُهُ فَيَجعَلُهُ كِسَفاً ، فَتَرى الوَدقَ يَخرُجُ مِن خِلالِهِ بِقَدَرٍ مَعلومٍ لِمَعاشٍ مَفهومٍ ، وأرزاقٍ مَقسومَةٍ وَآجالٍ مَكتوبَةٍ ، وَلَوِ احتَبَسَ عَن أزمِنَتِهِ وَوَقتِهِ هَلَكَتِ الخَليقَةُ وَيَبَسَتِ الحَديقَةُ ، فَأنزَلَ اللَّهُ المَطرَ في أيّامِهِ وَوَقتِهِ إلى الأرضِ الّتي خَلَقها لِبَني آدَمَ ، وَجَعَلَها فَرشاً وَمِهاداً ، وَحَبَسها أن تَزولَ بِهِم ، وَجَعَل الجِبالَ لَها أوتاداً ، وَجَعَلَ فيها يَنابيعَ تَجري فِي الأرضِ بِما تُنبِتُ فيها ، لا تَقومُ الحَديقَةُ وَالخَليقَةُ إلّابِها ، وَلا يَصلُحونَ إلّاعَلَيها مَعَ البِحارِ الّتي يَركَبونَها ، وَيَستَخرِجونَ مِنها حِليَةً يَلبسونَها وَلَحماً طَرِيّاً وَغَيرَهُ يَأكلونَهُ ، فَعَلِمَ أنّ إلهَ البَرِّ وَالبَحرِ وَالسَّماءِ وَالأرضِ وَما بَينَهُما واحِدٌ ، حَيٌّ قَيّومٌ مُدَبّرٌ حَكيمٌ ، وَأنَّهُ لَو كانَ غَيرُهُ لاختَلَفَتِ الأشياءُ . وَكذلِكَ السَّماءُ نَظيرُ الأرضِ الّتي أخرَجَ اللَّهُ مِنها حَبّاً وَعِنَباً وَقَضباً ، وَزيتوناً ونَخلًا ، وَحَدائِقَ غُلباً ، وفاكِهَةً وأبّاً ، بِتَدبيرٍ مُؤلّفٍ مُبَيَّنٍ ، بِتَصويرِ الزَّهرَةِ والثَّمَرَةِ