علي الأحمدي الميانجي

46

مكاتيب الأئمة ( ع )

الإنسانُ مِن شَيءٍ فَما يَجهَلُ أنّ اليَدَ لا تَقدِرُ عَلى العَينِ أن تَقلَعَها ، وَلا عَلى اللّسانِ أن تَقطَعَهُ ، وَأنَّهُ لَيسَ يَقدِرُ شَيءٌ مِنَ الحَواسِّ أن يفعَلَ بِشَيءٍ مِنَ الجَسَدِ شَيئاً بِغَيرِ إذنِ القَلبِ وَدِلالَتِهِ وَتَدبيرِهِ ؛ لأنّ اللَّهَ تبارَكَ وَتَعالى جَعَلَ القَلبَ مُدَبِّراً لِلجَسَدِ ، بِهِ يَسمَعُ وَبِهِ يُبصِرُ وَهُوَ القاضي وَالأميرِ عَلَيهِ ، لا يَتَقَدَّمُ الجَسَدُ إن هُوَ تَأخَّرَ ، ولا يَتَأخَّرُ إن هُوَ تَقَدَّمَ ، وَبِهِ سَمِعَتِ الحَواسُّ وَأبصَرَت ، إن أمَرَها ائتَمَرَت ، وَإن نهاها انتَهَت ، وَبِهِ يَنزِلُ الفَرَحُ وَالحُزنُ ، وَبِهِ يَنزِلُ الألَمُ ، إن فَسَدَ شَيءٌ مِن الحَواسِّ بَقِيَ عَلى حالِهِ ، وَإن فَسَدَ القَلبُ ذَهَبَ جَميعاً حَتَّى لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ . قال : لَقَد كُنتُ أظُنُّكَ لا تَتَخَلَّصُ مِن هذهِ المَسألَةِ وَقَد جِئتَ بِشَيءٍ لا أقدِرُ عَلى رَدِّهِ ؟ قُلتُ : وَأنا اعطيكَ تَصاديقَ ما أنبَأتُكَ بِهِ وَما رَأيتَ في مَنامِكَ في مَجلِسِكَ السّاعَةَ . قال : افعَل ، فَإنّي قَد تَحَيَّرتُ في هذهِ المَسألَةِ . قُلتُ : أخبِرني ، هَل تُحَدّثُ نَفسَكَ مِن تِجارَةٍ أو صِناعَةٍ أو بِناءٍ أو تَقديرِ شَيءٍ ، وَتَأمُرُ بهِ إذا أحكَمتَ تَقديرَهُ في ظَنّكَ ؟ قال : نَعَم . قُلتُ : فَهَل أشرَكتَ قَلبَكَ في ذلِكَ الفِكرِ شَيئاً مِن حَواسِّكَ ؟ قال : لا . قُلتُ : أفَلا تَعلَمُ أنَّ الّذي أخبَرَكَ بهِ قَلبُكَ حَقٌّ ؟ قال : اليَقينُ هُوَ ، فَزِدني ما يُذهِبُ الشَّكَ عَنّي وَيُزيلُ الشُّبَهَ مِن قَلبي . « 1 »

--> ( 1 ) . قال المجلسي في بحار الأنوار : أقول : ذكر السّيد ابن طاوس قدّس اللَّه روحه في كتاب النّجوم من هذه الرّسالة جملة ليست فيما عندنا من النّسخ فلنذكرها : قلت : أخبرني هل يعرف أهل بلادك علم النّجوم ؟ قال : إنّك لغافل عن علم أهل بلادي بالنّجوم ! قلت : وما بلغ من علمهم بها ؟ فقال : إنّا نخبرك عن علمهم بخصلتين تكتفي بهما عمّا سواهما . قلت : فأخبرني ولا تخبرني إلّا بحقّ . قال : بديني لا أخبرك إلّا بحقّ وبما عاينت . قلت : هات . قال : أمّا إحدى الخصلتين فإنّ ملوك الهند لا يتّخذون إلّا الخصيان . قلت : ولم ذاك ؟ قال : لأنّ لكلّ رجل منهم منجماً حاسباً فإذا أصبح أتى باب الملك فقاس الشّمس وحسب فأخبره بما يحدث في يومه ذلك ، وما حدث في ليلته الّتي كان فيها ، فإن كانت امرأة من نسائه قارفت شيئاً يكرهه أخبره ، فقال : فلان قارف كذا وكذا مع فلانة ، ويحدث في هذا اليوم كذا وكذا . قلت : فأخبرني عن الخصلة الأُخرى . قال : قوم بالهند بمنزلة الخنّاقين عندكم ، يقتلون النّاس بلا سلاح ولا خنق ويأخذون أموالهم . قلت : وكيف يكون هذا ؟ قال : يخرجون مع الرّفقة والتّجار بقدر ما فيها من الرّجالة فيمشون معهم أيّاماً ليس معهم سلاح ، ويحدثون الرّجال ويحسبون حساب كل رجل من التّجار ، فإذا عرف أجمعهم موضع النّفس من صاحبه وكز كلّ واحد منهم صاحبه الّذي حسب به في ذلك الموضع فيقع جميع التّجار موتى ! قلت : إنّ هذا أرفع من الباب الأوّل إن كان ما تقول حقّا ! قال : أحلف لك بديني إنّه حقّ ولربّما رأيت ببلاد الهند قد أخذ بعضهم وأمر بقتله . قلت : فأخبرني كيف كان هذا حتّى اطّلعوا عليه ؟ قال : بحساب النّجوم . قلت : فما سمعت كهذا علماً قطّ ، وما أشكّ أنّ واضعه الحكيم العليم ، فأخبرني من وضع هذا العلم الدّقيق الّذي لا يدرك بالحواسّ ولا بالعقول ولا بالفكر ؟ قال : حساب النّجوم وضعته الحكماء وتوارثه النّاس .