علي الأحمدي الميانجي

109

مكاتيب الأئمة ( ع )

فَيا عجَباً عجَباً ، واللَّهِ ، يُمِيتُ القَلْبَ ، ويَجْلِبُ الهَمَّ ، ويُسَعِّرُ الأحزانَ ، مِن اجتِماعِ هَؤُلاءِ عَلى باطِلِهم وتَفَرُّقِكُم عَن حَقِّكُم ، فَقُبْحاً لَكُم وتَرَحاً ، لَقدْ صَيَّرتُم أَنْفُسَكم غَرَضاً يُرْمى ، يُغارُ عَلَيْكُم ولا تُغِيرونَ ، وتُغْزَوْنَ ولا تَغْزُونَ ، ويُعْصى اللَّهُ وتَرْضَوْنَ ، ويُقضى إليكم فلا تأنفون ، قَد نَدَبْتُكُم إلى جِهادِ عَدُوِّكُم في الصَّيفِ فَقلْتُم : هذهِ حمَّارَةُ القَيْظِ ، أَمهِلْنا حَتَّى يَنْسَلِخَ عَنّا الحَرُّ ، وإذا أَمَرْتُكُم بالسَّيرِ إليْهِم في الشِّتاءِ قُلتُم : هذه صَبَّارَةُ القُرِّ ؛ أمْهِلْنا يَنسَلِخْ عَنّا البَرْدُ ، فَكُلُّ هذا فراراً مِنَ الحَرِّ والصِّرّ ؟ فإذا كنتم من الحَرّ والبَرْدِ تَفِرُّونَ فَأَنتُم واللَّهِ مِنْ حَرِّ السُّيُوفِ أفَرُّ لا والَّذي نَفْسُ ابنِ أبي طالِبٍ بِيَدِهِ عَنِ السَّيْفِ تَحيدونَ ؟ فحتّى متى ؟ وإلى متى ؟ يا أشباهَ الرِّجالِ ولا رِجالَ ، ويا طَغَامَ الأحْلامِ ، أحلامُ الأطفالِ وعُقولُ رَبَّاتِ الحِجالِ ، اللَّهُ يَعْلَمُ لَقَدْ سَئِمْتُ الحَياةَ بَيْنَ أظهُرِكُم ، ولَوَدَدْتُ أنَّ اللَّهَ يَقْبِضُنِي إلى رحْمَتِهِ مِن بَيْنِكُم ، ولَيْتَنِي لَمْ أرَكُم ولَمْ أَعرِفْكُم ، مَعْرِفَةٌ واللَّهِ جَرَّتْ نَدَما ، وأَعقَبَتْ سَدَما « 1 » ، أوغرتم - يعلم اللَّه - صدري غَيْظاً ، وجَرَّعْتمُوني جُرَعَ التَّهمامِ « 2 » ، أنفاساً وأفسدتم عَليَّ رأيي وخرصي بالعصيان والخذلان ، حَتَّى قالت قريش وغيرها : إن ابنَ أبي طالِبٍ رَجُلٌ شُجَاع ولكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بالحَرْبِ . للَّهِ أبُوهُم ! وهَلْ كانَ مِنهُم رَجُلٌ أشَدُّ مُقاساةً وتَجْرِبَةً ولا أطولُ لَها مِراساً مِنِّي ، فواللَّهِ لَقَدْ نَهَضْتُ فِيها وما بَلغْتُ العِشْريَن ، فها أَنا ذا قَدْ ذرّفت « 3 » على السِّتين ، ولكِنْ لا رأْيَ لِمَنْ لا يُطاعُ » . « 4 »

--> ( 1 ) السَّدَمُ - مُحرّكةً - : الهمُّ مع أسفٍ وغيظٍ ، وفِعْلُهُ كفَرِحَ . ( 2 ) التَّهْمَامُ - بالفتح - الهمّ . أنفاساً : أي جُرعة بَعْدَ جُرعَةٍ ، والمراد أنّ أنفاسه أمست همّاً يتجرّعهُ . ( 3 ) في المصدر : « زرّفتُ » وما أثبتناه هو الصحيح . ( 4 ) . الغارات : ج 2 ص 470 والكافي : ج 5 ص 4 ح 6 ، نهج البلاغة : الخطبة 27 ، نثر الدر : ج 1 ص 297 ، بحار الأنوار : ج 34 ص 55 ح 931 ؛ أنساب الأشراف : ج 3 ص 201 ، الكامل للمبرد : ج 1 ص 30 ، العقد الفريد : ج 3 ص 121 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 2 ص 74 في كلها « ان الجهاد . . . الخ » مع اختلاف .