الموفق الخوارزمي

36

مقتل الحسين ( ع )

فحمله الفرس إلى عسكر عدوّه ، فقطعوه بأسيافهم إربا إربا ، فلما بلغت روحه التراقي ، نادى بأعلى صوته : يا أبتاه ! هذا جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا ، وهو يقول لك : العجل فإنّ لك كأسا مذخورة ، فصاح الحسين : « قتل اللّه قوما قتلوك ، يا بني ! ما أجرأهم على اللّه ، وعلى انتهاك حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ ! على الدنيا بعدك العفا » . قال حميد بن مسلم : لكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس طالعة ، تنادي بالويل والثبور ، تصيح : وا حبيباه ! وا ثمرة فؤاداه ! وا نور عيناه ! فسألت عنها ، فقيل : هي زينب بنت علي ، ثم جاءت حتى انكبت عليه ، فجاء إليها الحسين حتى أخذ بيدها ، وردّها إلى الفسطاط ، ثم أقبل مع فتيانه إلى ابنه فقال : احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه عند الفسطاط الذي يقاتلون أمامه . قال : وخرج غلام من تلك الأبنية في اذنيه قرطان ، وهو مذعور فجعل يلتفت يمينا وشمالا وقرطاه يتذبذبان ، فحمل هاني بن بعيث فقتله ، ثم التفت الحسين عن يمينه وشماله فلم ير أحدا من الرجال ، فخرج علي بن الحسين وهو زين العابدين وهو أصغر من أخيه عليّ القتيل ، وكان مريضا ، وهو الذي نسل آل محمد عليهم السّلام « 1 » فكان لا يقدر على حمل سيفه ، وأمّ كلثوم تنادي خلفه : يا بني ارجع ! فقال : « يا عمتاه ! ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول اللّه » ، فقال الحسين : « يا أمّ كلثوم ! خذيه ورديه ، لا تبق الأرض خالية من نسل آل محمد » ، ولما فجع بأهل بيته وولده ولم يبق غيره وغير النساء والأطفال وغير ولده المريض ، نادى : « هل من ذابّ يذب عن حرم رسول

--> ( 1 ) - يعني أن نسل الحسين منه ، فان أولاده لم يبق منهم سواه .