عبد الرزاق المقرم
87
مقتل الحسين ( ع ) ، المقرم
زبد العالم ونخبة الكون واستضأنا من تلك الاشعاعات طوايا نياتهم من الحزم والثبات والاخلاص في المفاداة والتضحية القدسية ، وفي كل ذلك دروس راقية لمن يريد اقتصاص أثر أولئك الاباة في الترفع عن الدنايا ، والموت تحت راية العز وعدم الخضوع للسلطة الغاشمة ، إما ظفر بالأمنية أو فوز بالشهادة والسعادة . ولولا تلك الرخصة بالمفارقة الصادرة من أمين الشرع والشريعة وتلك الكلمات التي اباحتها نفوسهم الطاهرة لما أمكن للأجيال معرفة مبلغهم من العلم واليقين وتفاضلهم في الملكات وطموحهم إلى أبعد الغايات السامية والثبات على المبدأ باخلاص وبصيرة . فسيد الشهداء أراد بذلك اختبار نفسياتهم والاختبار من الحكيم العالم بما كان ويكون لا يحط من علمه ووقوفه على الخفايا بعد أن كانت الغاية الملحوظة له ثمينة والمقصد سام وهو الذي أشرنا إليه من التعريف بملكات أصحابه وأهل بيته ولا غرابة في هذا الاختيار بعد أن صدر مثله من « فاطر الأكوان » جل شأنه الذي لا يغادر علمه صغيرا ولا كبيرا فيأمر خليله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وهو لا يريده مع العلم بطاعة رسوله الخليل وثبات نبيه إسماعيل لولا المصلحة التي يعلمها رب العالمين وان انحسرت عن ادراكها العقول وقصة الأقرع والأبرص والأعمى تشهد بأن اللّه تعالى إنما أراد بالإنعام عليهم التعريف لمن يقف على قصتهم بلزوم الشكر على الانعام وأن الكفران عاقبته الخسران « 1 » . وأبو عبد اللّه عليه السّلام أراد بهذا الاختبار تعريف الأجيال مبوأ أهل بيته وصحبه من الشرف والعز وطهارة أعراقهم وخضوعهم لما فيه مرضاة اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم . إن العلم بمبلغ أي رجل في العالم من الطهارة والثبات على المبدأ والطاعة للأصلح المرضي للمولى تعالى لا يحصل إلا بأقواله المشفوعة بالعمل الصحيح أو بشهادة من له الوقوف على حركاته وسكناته ولم يخف على كل أحد قصور التأريخ الذي بأيدينا عن كثير من أعمال الرجال الصالحين الذين بذلوا كل ما لديهم من جاه وحرمات في سبيل تأييد الشريعة الحقة ولم يحمل التأريخ شيئا من أعمال أولئك
--> ( 1 ) صحيح البخاري كتاب الأنبياء باب الأقرع والأبرص وفتح الباري ج 6 ص 323 في هذا الباب .