عبد الرزاق المقرم
63
مقتل الحسين ( ع ) ، المقرم
علم الحسين بالشهادة لقد تجلى بما بيناه تحبيذ العقل والشرع الاقدام على الهلكة إذا تحققت هناك مصلحة تقاوم مفسدة الهلكة من ابقاء دين وشريعة أو ابراز حقيقة لا تظهر إلا به كما في أمر الحسين عليه السّلام يوم وقف ذلك الموقف المدهش فتلا على الملأ صحيفة بيضاء رتلتها الحقب والأعوام . فلقد عرّف صلوات اللّه عليه بنهضته المقدسة الأمم الحاضرة والمتعاقبة أعمال الأمويين ومن سن لهم خرق نواميس الشريعة والتعدي على قداسة قوانينها ، وقد استفادت الأمم من اقدام أبيّ الضيم عليه السّلام على الموت وبذله كل ما لديه من جاه وحرمات في سبيل تأييد الدعوة المحمدية دروسا عالية وعرفوا كيفية الثبات على المبدأ وأنه يستهان في تحرير النفوس عن الجور وإنقاذها من مخالب الظلم كل غال ورخيص . وإذا كان محمد بن الحسن الشيباني ينفي البأس عن رجل يحمل على الألف مع فقد احتمال النجاة أو النكاية بالعدو ولا يكون هذا الاقدام منه إلقاء بالتهلكة لأن فيه نفع المسلمين وتقوية عزائمهم وبعث روح النشاط فيهم للدفاع عن المبدأ والموت تحت راية العز « 1 » . فأبو عبد اللّه الحسين عليه السّلام يفضل كل أحد فإنه باقدامه على أولئك الجمع المغمور بالاضاليل وإن أزهق نفسه المقدسة ونفوس الأزكياء من أهل بيته وصحبه وعرّض حرم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للسلب والأسر إلا أنه سجل أسطرا نورية على جبهة الدهر في أحقية نهضته وبطلان تمويهات عدوه الحائد عن سنن الحق المتمرد في الطغيان فهو الفاتح المنصور وأن المتجهر عليه راسب في بحر الضلال هاتك لحرمات اللّه تعالى متعد على نظم الإسلام التي قررها صاحب الدعوة الإلهية . وإنّي لأعجب ممن ذهب إلى أن الحسين عليه السّلام كان يظن موافقة الكوفيين له وقد تخلف ظنه فإنّا لو تنازلنا وقلنا بأن الحسين لم يكن عنده العلم العام لما كان ويكون وما هو كائن ولكن أين يذهب عنه العلم بما يقع من الحوادث بواسطة
--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 309 .