العلامة المجلسي

204

بحار الأنوار

وسائر مكملات الاعمال ففي الآخرة أيضا لا ينتفع إلا بالجنة الجسمانية ، ومن فهم في الدنيا روح العبادة وأنس بها واستلذ منها وأعطاها حقها فهو في الجنة الجسمانية لا يستلذ إلا بالنعم الروحانية ، ولنضرب لك في ذلك مثلا لمزيد الايضاح ، فنقول : ربما يجلس بعض سلاطين الزمان على سريره ويطلب عامة رعاياه ووزرائه وأمرائه ومقربي حضرته ويعطيهم شيئا من الحلاوات ، فكل صنف من أصناف الخلق ينتفع بما يأخذه من ذلك نوعا من الانتفاع ويلتذ نوعا من الالتذاذ على حسب معرفته لعظمة السلطان ورتبة إنعامه : فمنهم جاهل لا ينتفع بذلك إلا أنه حلو ترغب الذائقة فيه ، فلا فرق في ذلك عنده بين أن يأخذه من بائعه في السوق أو من يد السلطان ، ومنهم من يعرف شيئا من عظمة السلطان ويريد بذلك الفخر على بعض أمثاله أو من هو تحت يده أن السلطان أكرمني بذلك ، وهكذا حتى ينتهي الامر إلى من هو من مقربي حضرة السلطان ومن طالبي لطفه وإكرامه ، فهو لا يلتذ بذلك إلا لأنه خرج من يد السلطان ، وأنه علامة لطفه وإكرامه فهو يضن بذلك ويخفيه ويفتخر بذلك ويبديه ، مع أن في بيته أضعاف ذلك مبذولة لخدمه وعبيده فهو لا يجد من الحلاوة إلا طعم القرب والاكرام ، ولو جعل السلطان علامة إكرامه في بذل أمر الأشياء وأبشعها لكان عنده أحلى من جميع الحلاوات ، ولذا ترى في عشق المجاز إذا ضرب المعشوق محبه ضربا وجيعا على جهة الاكرام فهو أشهى عنده من كل ما يستلذ منه سائر الأنام ، فإذا كان مثل ذلك في المجاز ففي الحقيقة أولى وأحرى ، فإذا فهمت ذلك عرفت أن أولياء الله تعالى في الدنيا أيضا في الجنة والنعيم ، إذ هم في عبادة ربهم متلذذون بقربه ووصاله وفي التنعم بنعيم الدنيا إنما يتلذذون لكونه مما خلق لهم ربهم ومحبوبهم وحباهم بذلك ورزقهم وأعطاهم ، وفي البلايا والمصائب أيضا يلتذون بمثل ذلك ، لأنهم يعلمون أن محبهم ومحبوبهم اختار ذلك لهم وعلم فيه صلاحهم ، فبذلك امتحنهم فهم بذلك راضون شاكرون ، فتنعمهم بالبلايا كتمتعهم بالنعم والهدايا ، إذ جهة الاستلذاذ فيهما واحدة عندهم ، فهم في الدنيا والآخرة بقربه ولطفه وحبه يتنعمون ، وفيهما لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فإذا فازوا بهذه الدرجة القصوى ووصلوا إلى تلك المرتبة