مجموعة مؤلفين
255
مع الركب الحسيني
مجرى حركة الأحداث لا يحمل لهم إلّا المكاره ! لكنّ المُلفتَ للإنتباه هنا هو أنّ الإمام عليه السلام في هذه الخطبة أيضاً كان يحثّ أصحابه ويحرّضهم على التمسّك بنصرته ! فهاهو يذكّرهم بأنّ ما بقي من الدنيا ليس إلّا كماءٍ ضئيل في قعر إناء صغير ! والأيّام الباقية من هذا العمر في ظلّ حكومة الطاغوت أيّام لاعزّة فيها ، عيشها خسيس كالمرعى الوبيل ! في عالم لايُعمل فيه بالحقّ ، ولايُتناهى فيه عن الباطل ! فالأولى للمؤمن أن يرفض هذا العيش الذليل النكد ، راغباً في لقاء اللّه تحت راية قائم بالحقّ ، فإنّ أفضل الموت القتل في سبيل اللّه ، وهو الشهادة والسعادة ! وإنّ أسوأ حياةٍ حياةٌ بذُلٍّ تحت قهر الظالمين ، إنها التعاسة والبرم ! وهنا كان أنصاره عليه السلام قد أدركوا مراده من هذه المقالة ، وعلموا أنّه محزون لقلّة ناصريه ! وأنّه أراد أن يختبر نيّاتهم وعزائمهم في المضيّ معه حتى الشهادة ! فبادر زهير بن القين ( رض ) عن لسان جميع الأنصار - ثمّ تصدّى بالقول نافع بن هلال ( رض ) وبُرير بن خضير ( رض ) كما في رواية ابن طاووس ( ره ) - لتطمين الإمام عليه السلام بأنّهم ثابتون على نيّاتهم وبصائرهم ، وعلى عهدهم في موالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، وأنهم موقنون بأنّ اللّه قد منّ عليهم بالإمام عليه السلام إذ فتح لهم باب الجهاد بين يديه ليفوزوا بالشهادة وهي أقصى أمنيّة المؤمنين الصادقين ! والإنسانية لم تزل إلى اليوم - وتبقى إلى قيام الساعة - تقرأ قصة هذا المشهد الرائع من مشاهد مسيرة الركب الحسيني ، فتقف إجلالًا وإكباراً لمقالة كلّ من نافع وبرير رضوان اللّه تعالى عليهما ، وتتأمل بخشوع وإعجاب لا ينقضي في المعاني السامية لأُنشودة الفداء والمواساة التي تضمّنتها مقالة زهير بن القين رضوان اللّه تعالى عليه : « واللّه ، لو كانت الدنيا لنا باقية ، وكُنّا فيها مخلّدين ، إلّا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك ، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها ! ! » .