الشيخ عزيز الله عطاردي

47

مسند الإمام الجواد ( ع )

أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم ، واما ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعا للرّحم ، وأعوذ باللّه من ذلك ، وو اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرّضا ، ولقد سألته أن يقوم بالأمر وانزعه عن نفسي فأبى ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . وامّا أبو جعفر محمّد بن علي قد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه ، والأعجوبة فيه بذلك ، وأنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه ، فيعلموا أنّ الرّأي ما رأيت فيه . فقالوا : انّ هذا الفتى وان راقك منه هديه ، فإنه صبّي لا معرفة له ولا فقه ، فأمهله ليتأدّب ويتفقه في الدّين ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك ، فقال لهم : ويحكم انّي اعرف بهذا الفتى منكم ، وانّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه ، وموادّه والهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدّين والأدب عن الرّعايا النّاقصة عن حدّ الكمال ، فان شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله . قالوا له : قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه ، فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشّريعة ، فان أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره ، وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين ، وان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه ، قال لهم المأمون : شأنكم وذاك متى أردتم . فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسئلة يحيى بن أكثم وهو يومئذ قاضي الزّمان ، على أن يسأله مسئلة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، وعادوا إلى المأمون ، فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم إلى ذلك ، فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه ، وحضر معهم يحيى بن أكثم ، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست ويجعل له فيه مسورتان ، ففعل ذلك فخرج أبو جعفر عليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر . فجلس بين المسورتين ، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه ، وقام النّاس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السلام .