العلامة المجلسي

180

بحار الأنوار

{ 91 باب } * ( السرقة والغلول وحدهما ) * الآيات : آل عمران : " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ( 1 ) .

--> ( 1 ) آل عمران : 161 أقول : قرأ ابن كثير وأبو عمرو مع عاصم " أن يغل " - بفتح الياء وضم الغين - والمعنى ما كان له أن يخون في الغنيمة والباقون بضم الياء وفتح الغين والمعنى ما كان له أن ينسب إلى الخيانة ، لان باب الافعال قد يجئ للنسبة فمعنى أغله : نسبه إلى الخيانة . روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم فقال بعضهم : لعل النبي صلى الله عليه وآله أخذها ، فأنزل الله وما كان لنبي أن يغل ، أي وما كان الله ليجعل نبيا غالا ، وعن ابن عباس أن معناه ما كان لنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسمة ، ولكن يقسم بالعدل ويأخذ فيه بأمر الله ويحكم بما أنزل الله عز وجل . وقد كان ابن عباس ينكر على من يقرء قراءة ابن مسعود أن يغل - بضم الياء وفتح الغين - ويقول : كيف لا يكون له أن يغل وقد كان له أن يقتل ، قال الله " ويقتلون الأنبياء بغير حق " ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وآله في شئ من الغنيمة فأنزل الله " وما كان لنبي أن يغل " . ونقل عن مقاتل أنها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلبا " للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله " من أخذ شيئا " فهو له " ولا يقسم كما لم يقسم يوم بدر ووقعوا في الغنائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أظنتم أنا نغل ولا نقسم لكم ؟ فأنزل الآية . واختار ابن هشام وابن إسحاق في السيرة ج 2 ص 117 أن معنى الغلول الاكتتام وقال : أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة ومن يفعل ذلك يأت يوم القيامة به ثم يجزى بكسبه . والظاهر بقرينة عموم قوله " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " وأنه لا يناسب اكتتام الوحي أن المراد بالغلول هو الخيانة والاختلاس بأن يأخذ الرجل شيئا " من المغنم ويدسه تحت ثيابه كما نص عليه الراغب . وقوله " ما كان لنبي أن يغل " ليس يوهم أنه صلى الله عليه وآله كان بصدد ذلك فنهاه الله عز وجل حتى يؤول في معنى الكلمة تارة وفى قراءتها تارة أخرى ، بل المراد نفى الشأنية كما ترى ذلك في سائر الآيات المصدرة بلفظ " ما كان " . قال عز وجل : " وما كان الله ليضيع ايمانكم " البقرة : 143 " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله " آل عمران : 76 " وما كان لنفس أن تموت الا بإذن الله " آل عمران : " 145 " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا " " النساء : 92 " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " براءة 113 " ما كان لرسول أن يأتي بآية الا بإذن الله " الرعد : 38 " ما كان لله أن يتخذ من ولد " الكهف : 35 إلى غير ذلك من الآيات المشابهة فكلها خطاب للمسلمين ، يعلمهم أن ليس الشأن كما توهموا وقد أخطأوا حيث ظنوا أن ذلك جائز . فمعنى الآية : ما كان من شأن نبي من الأنبياء فيما سبق - كيف بنبيكم محمد وهو خاتم الأنبياء - أن يغل من الغنائم ، فلا تظنوا به ذلك ، واعلموا أن من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم يوفى هو مع كل نفس ما كسب وهم لا يظلمون ، فلا تغلوا أنتم في الغنيمة وتقولوا أن ذلك جائز لكل أحد حتى للنبي صلى الله عليه وآله . روى أن النبي صلى الله عليه وآله كان يأمر فينادى في الناس " ردوا الخيط والمخيط فان الغلول عار وشنار يوم القيامة " فجاء رجل بكبة من مغزل شعر فقال : انى أخذتها لأخيط بردعة بعيري . فقال النبي صلى الله عليه وآله أما نصيبي منها فهو لك ، فقال الرجل أما إذا بلغ الامر هذا المبلغ فلا حاجة لي فيها .