العلامة المجلسي

388

بحار الأنوار

أحاديثها وعينه من أعاجيبها ، ويده مملؤة من جمعها ، ثم تصبح الكف صفرا ، والعين هامدة ، ذهب ما ذهب ، وهوى ما هوى ، وبادماباد ، وهلك ما هلك ، تجد في كل من كل خلفا ، وترضى بكل من كل بدلا ، تسكن دار كل قرن قرنا ، وتطعم سؤر كل قوم قوما ، تقعد الأراذل مكان الأفاضل ، والعجزة مكان الحزمة ( 1 ) تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب ( 2 ) ، ومن الرجلة إلى المركب ومن البؤس إلى النعمة ، ومن الشدة إلى الرخاء ، ومن الشقاء إلى الخفض والدعة ، حتى إذا غمستهم في ذلك انقلبت بهم فسلبتهم الخصب ، ونزعت منهم القوة ، فعادوا إلى أبأس البؤس ، وأفقر الفقر ، وأجدب الجدب . فأما قولك أيها الملك في إضاعة الأهل وتركهم فإني لم أضيعهم ، ولم أتركهم ، بل وصلتهم وانقطعت إليهم ، ولكني كنت وأنا أنظر بعين مسحورة لا أعرف بها الأهل من الغرباء ، ولا الأعداء من الأولياء ، فلما انجلى عني السحر استبدلت بالعين المسحورة عينا صحيحة ، واستنبت الأعداء من الأولياء ، والأقرباء من الغرباء ، فإذا الذين كنت أعدهم أهلين وأصدقاء وإخوانا وخلطاء إنما هم سباع ضارية ( 3 ) لا همة لهم إلا أن تأكلني وتأكل بي ، غير أن اختلاف منازلهم في ذلك على قدر القوة ، فمنهم كالأسد في شدة السورة ( 4 ) ومنهم كالذئب في الغارة والنهبة ، ومنهم كالكلب في الهرير والبصبصة ، ومنهم كالثعلب في الحيلة والسرقة ، فالطرق واحدة والقلوب مختلفة . فلو أنك أيها الملك في عظيم ما أنت فيه من ملكك ، وكثرة من تبعك من أهلك وجنودك وحاشيتك وأهل طاعتك ، نظرت في أمرك عرفت أنك وحيد فريد ، ليس معك أحد من جميع أهل الأرض ، وذلك أنك قد عرفت أن عامة الأمم

--> ( 1 ) في بعض النسخ " الفجرة مكان البررة " . ( 2 ) الجدب : القحط ، مقابل الخصب . ( 3 ) الضاري من الكلاب ما لهج بالصيد وتعود أكله . ( 4 ) السورة : الحدة .