العلامة المجلسي
386
بحار الأنوار
قوتها ضعفا ، وعزها ذلا ، وكيف لا تكون حياتها موتا ، وإنما يحيى فيها صاحبها ليموت ، وهو من الموت على يقين ، ومن الحياة على قلعة ، وكيف لا يكون غناؤها فقرا وليس أصيب أحد منها شيئا إلا احتاج لذلك الشئ إلى شئ آخر يصلحه وإلى أشياء لا بدله منها . ومثل ذلك أن الرجل ربما يحتاج إلى دابة فإذا أصابها احتاج إلى علفها وقيمها ومربطها ( 1 ) وأدواتها ، ثم احتاج لكل شئ من ذلك إلى شئ آخر يصلحه ، وإلى أشياء لا بدله منها ، فمتى تنقضي حاجة من هو كذلك وفاقته ؟ وكيف لا يكون فرحها ترحا وهي مرصدة لكل من أصاب منها قرة أعين أن يرى من ذلك الامر بعينه أضعافه من الحزن ، إن رأى سرورا في ولده فما ينتظر من الأحزان في موته وسقمه وجايحة إن أصابته أعظم من سروره به ، وإن رأى السرور في مال فما يتخوف من التلف أن يدخل عليه أعظم من سروره بالمال ، فإذا كان الامر كذلك فأحق الناس بأن لا يتلبس بشئ منها من عرف هذا منها ، وكيف لا يكون صحتها سقما وإنما صحتها من أخلاطها وأصح أخلاطها وأقربها من الحياة الدم ، وأظهر ما يكون الانسان دما أخلق ما يكون صاحبه بموت الفجأة ، والذبحة والطاعون ( 2 ) والاكلة والبرسام ، وكيف لا تكون قوتها ضعفا وإنما تجمع القوى فيها ما يضره ويوبقه ، وكيف لا يكون عزها ذلا ولم ير فيها عز قط إلا أورث أهلها ذلا طويلا ، غير أن أيام الغر قصيرة ، وأيام الذل طويلة ، فأحق الناس بذم الدنيا من بسطت له الدنيا فأصاب حاجته منها ، فهو يتوقع كل يوم وليلة وساعة وطرفة عين أن يعدى على ماله فيحتاج ، وعلى حميمه فيختطف ، وعلى جمعه فينهب ، وأن يؤتى بنيانه من القواعد فيهدم ، وأن يدب الموت إلى جسده فيستأصل ويفجع بكل ما هو به ضنين .
--> ( 1 ) المربط - بفتح الباء وكسرها - موضع ربط الدواب . ( 2 ) الذبحة - بضم الذال وفتح الباء والعامة تسكن الباء - ورم حار في العضلات من جانب الحلقوم التي بها يكون البلع . وقال العلامة : وقد يطلق الذبحة على الاختناق . والشيخ لا يفرق بينهما ، وقيل هي ورم اللوزتين ( بحر الجواهر ) .