العلامة المجلسي
359
بحار الأنوار
التلف ، والغنيمة في المنقلب ، إن الله عز وجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ( 1 ) ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله ، وبالتقوى نجى نوح ومن معه في السفينة وصالح ومن معه من الصاعقة ، وبالتقوى فاز الصابرون ونجت تلك العصب ( 2 ) من المهالك ولهم إخوان على تلك الطريقة ، يلتمسون تلك الفضيلة ، نبذوا طغيانهم من الايراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات ، حمدوا ربهم على ما رزقهم وهو أهل الحمد ، وذموا أنفسهم على ما فرطوا وهم أهل الذم ، واعلموا أن الله تبارك وتعالى الحليم العليم إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه ، وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه ، وإنما يضل من لم يقبل منه هداه ، ثم أمكن أهل السيئات من التوبة بتبديل الحسنات ، دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع ولم يمنع دعاء عباده ، فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله وكتب على نفسه الرحمة ، فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا ، فليس يبتدء العباد بالغضب قبل أن يغضبوه ، وذلك من علم اليقين وعلم التقوى ، وكل أمة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه . وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ، وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون ( 3 ) فأوردوهم الهوى ، وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين ، ثم ورثوه في السفه والصبا ( 4 ) فالأمة يصدرون عن أمر
--> ( 1 ) عزب أي بعد ، وفى بعض النسخ " نفى بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله " . ( 2 ) العصب : جمع العصبة أو هي من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الأربعين . ( 3 ) أي جعلوا ولى الكتاب والقيم عليه والحاكم به الذين لا يعلمونه وجعلوهم رؤساء على أنفسهم يتبعونهم في الفتاوى وغيرها . ( 4 ) أي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل أو صبي غير عاقل . وقوله : " بعد أمر الله " أي صدوره أو الاطلاع عليه أو تركه ، والورود والصدور كنايتان عن الاتيان للسؤال والاخذ والرجوع بالقبول . كما قال المؤلف .