العلامة المجلسي

21

بحار الأنوار

على ما فاتك من الدنيا حزينا ، وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا ، واجعل همك لما بعد الموت فإن ما توعدون لات . 81 - وقال عليه السلام ( 1 ) : انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها والله عن قليل تشقي المترف ، وتحرك الساكن ، وتزيل الثاوي ( 2 ) صفوها مشوب بالكدر ، وسرورها منسوج بالحزن ، وآخر حياتها مقترن بالضعف ، فلا يعجبنكم ما يغركم منها ، فعن كثب تنقلون عنها ( 3 ) وكلما هو آت قريب ، و " هناك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون " ( 4 ) . 82 - وقال عليه السلام : أحذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة ، قد تزينت بغرورها ، وغرت بزينتها لمن كان ينظر إليها ، فاعرفوها كنه معرفتها فإنها دار هانت على ربها ، قد اختلط حلالها بحرامها ، وحلوها بمرها ، وخيرها بشرها ، ولم يذكر الله شيئا اختصه منها لاحد من أوليائه ولا أنبيائه ، ولم يصرفها من أعدائه ، فخيرها زهيد ، وشرها عتيد ( 5 ) وجمعها ينفد ، وملكها يسلب ، وعزها يبيد . فالمتمتعون من الدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا ، ويشتد مقتهم لأنفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما رزقوا ، الدنيا فانية لا بقاء لها ، والآخرة باقية لا فناء لها ، الدنيا مقبلة ، والآخرة ملجأ الدنيا ، وليس للآخرة منتقل ولا منتهى ، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه ، ومن آثر الدنيا على الآخرة حلت به الفاقرة ( 6 ) .

--> ( 1 ) مطالب السؤول ص 52 . ( 2 ) الثاوى هو الذي قام في مكان . ( 3 ) الكثب : القرب ، يقال : رماه من كثب أو عن كثب أي رماه إذ كان قريبا منه . ( 4 ) أي في ذلك المقام تختبر كل نفس ما قدمت من عمل . وقوله تعالى : " ردوا إلى الله " أي إلى جزائه ، وقوله " ضل عنهم " أي بطل وهلك عنهم ما كانوا يدعونه افتراء على الله سبحانه . ( 5 ) العتيد : الحاضر المهيأ . ( 6 ) الفاقرة : الداهية الشديدة .