العلامة المجلسي

157

بحار الأنوار

فصدعت الدنيا عما التذ بنواظر فكرها من سوء الغفلة ، ومن عجب كيف يسكن إليها من يعرفها ، وقد استذهلت عقله بسكونها ، وتزين المعاذير وخسأت أبصارهم عن عيب التدبير ، وكلما تراءت الآيات ونشرها من طي الدهر ، عن القرون الخالية الماضية ، وحالهم ومآلهم ، وكيف كانوا وما الدنيا وغرور الأيام . وهل هي إلا لوعة من ورائها * جوى قاتل أو حتف نفس يسوقها ( 1 ) وقد أغرق في ذم الدنيا الادلاء على طرق النجاة من كل عالم ، فبكت العيون شجن القلوب فيها دما ، ثم درست تلك المعالم فتنكرت الآثار ، وجعلت في برهة من محن الدنيا وتفرقت ورثة الحكمة ، وبقيت فردا كقرن الأعضب ( 2 ) وحيدا أقول فلا أجد سميعا ، وأتوجع فلا أجد مشتكى . وإن أبكهم أجرض وكيف تجلدي * وفي القلب مني لوعة لا أطيقها ( 3 ) وحتى متى أتذكر حلاوة مذاق الدنيا ، وعذوبة مشارب أيامها ، وأقتفي آثار المريدين ، وأتنسم أرواح الماضين ( 4 ) مع سبقهم إلى الغل والفساد ، وتخلفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعا من الأخلاء ، فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى وخانني الصبر حتى كأنني أول ممتحن ، أتذكر معارف الدنيا وفراق الأحبة . فلو رجعت تلك الليالي كعهدها * رأت أهلها في صورة لا تروقها فمن أخص بمعاتبتي ؟ ومن أرشد بندبتي ، ومن أبكى ، ومن أدع أشجو بهلكة الأموات ، أم بسوء خلف الاحياء ، وكل يبعث حزني ويستأثر بعبراتي ومن يسعدني فأبكي وقد سلبت القلوب لبها ، ورق الدمع ، وحق للداء أن يذوب على طول مجانبة الأطباء ، وكيف بهم وقد خالفوا الامرين ، وسبقهم زمان الهادين ، ووكلوا إلى أنفسهم يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات .

--> ( 1 ) الجوى . الحرقة وشدة الحزن وتطاول المرض . ( 2 ) الأعضب : الظبي الذي انكسر أحد قرينه . ( 3 ) أجرض أي أهلك . واللوعة : الحرق وألمه . ( 4 ) في بعض النسخ " أرواح الصالحين " .