العلامة المجلسي
328
بحار الأنوار
فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيرة من خلقه ، وجعله أول جبلته ، وأسكنه جنته ، وأرغد فيها اكله ، وأوعز إليه ( 1 ) فيما نهاه عنه ، وأعلمه أن في الاقدام عليه التعرض لمعصيته ، والمخاطرة بمنزلته ، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه ، فأهبطه بعد التوبة ( 2 ) ليعمر أرضه بنسله ، وليقيم الحجة به على عباده ، ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ، ومتحملي ودائع رسالاته قرنا فقرنا حتى تمت بنبينا محمد صلى الله عليه وآله حجته ، وبلغ المقطع عذره ونذره ، وقدر الأرزاق فكثرها وقللها وقسمها على الضيق والسعة ، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها ، ثم قرن بسعتها عقابيل ( 3 ) فاقتها وبسلامتها طوارق آفاتها ، وبفرج أفراحها غصص أتراحها ( 4 ) وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها ووصل بالموت أسبابها وجعله خالجا لاشطانها وقاطعا لمرائر أقرانها . عالم السر من ضمائر المضمرين ، ونجوى المتخافتين ، وخواطر رجم الظنون ( 5 ) وعقد عزيمات اليقين ، ومسارق إيماض الجفون ، وما ضمنته
--> ( 1 ) أوعزت إلى فلان في فعل أو ترك أي تقدمت وأمرت . ( 2 ) هذا الكلام صريح في أن الاهباط كان بعد التوبة . وهو ظاهر من قوله عليه السلام في الخطبة الأولى من النهج " ثم بسط الله سبحانه في توبته ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنته فأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية " ويناسبه ترتيب الكلام في سورة طه وغيرها . ( 3 ) العقابيل : الشدائد . جمع عقبولة - بالضم - وهي قروح صغار تخرج بالشفة غب الحمى وبقايا المرض . ( 4 ) الفرح : السرور ، والفرج - كغرف - جمع فرجة وهي التفصي من الهم . والترح - بالتحريك - : الهم والهلاك والانقطاع . ( 5 ) خالجا أي جازبا لاشطانها وهي جمع شطن - كسبب - وهو الحبل الطويل . والمرائر : جمع مريرة وهي الحبال المفتولة على أكثر من طاق وقيل الحبال الشديدة الفتل . والاقران جمع قرن - محركة - وهو في الأصل الحبل تجمع به البعيران ولعل المراد بمرائر الأقران الآجال والأعمار التي يرجى امتدادها لقوة المزاج والبنية . والتخافت : المكالمة السرية . والخواطر : ما يخطر في القلب من تدبير امر ، يقال خطر ببالي . ورجم الظنون كل ما يسبق إليه الظن من غير برهان .