العلامة المجلسي
318
بحار الأنوار
احتذى عليه من خالق معبود كان قبله ( 1 ) ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجايب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ( 2 ) ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، وظهرت في البدايع التي أحدثها آثار صنعته ، وأعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدع قائمة . وأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك ( 3 ) لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك ، وكأنه لم يسمع تبرء التابعين من المتبوعين إذ يقولون " تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين " كذب العادلون بك ( 4 ) إذ شبهوك بأصنامهم ، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم ( 5 ) وجزؤوك تجزئة المجسمات بخواطرهم وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم . وأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك ، وإنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفا ، ولا في رويات خواطرها فتكون محدودا مصرفا ( 6 ) .
--> ( 1 ) احتذى عليه أي قاس وطبق عليه . وفى بعض نسخ النهج " خالق معهود " . ( 2 ) بمساك قوته - بالكسر - ما يمسك به . والموصول في " ما دلنا " مفعول ثان لارانا وفيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه إلى مؤثر . ( 3 ) التلاحم التلاصق . والحقاق - بالكسر - جمع حق - بالضم - وهي في الأصل وعاء من خشب . وحقاق المفاصل النقر التي يرتكز فيها العظام . واحتجابها استتارها بالجلد واللحم والجار في قوله عليه السلام " لتدبر حكمتك " متعلق بالمحتجبة أي المستورة للتدبير الذي اقتضته الحكمة ، والمراد من شبهه بالانسان ونحوه . ( 4 ) أي الذين عدلوا بك غيرك وشبهوك به . ( 5 ) نحلوك أي أعطوك ، وحلية المخلوقين صفاتهم الخاصة بهم . ( 6 ) أي محاطا بالحدود .