العلامة المجلسي
28
بحار الأنوار
تكرمني وأنا مغلوب إن لم تنصرني وأنا ضعيف إن لم تقوني وأنا ميت إن لم تحيني بذكرك ، ولولا سترك لافتضحت أول مرة عصيتك . إلهي كيف لا أطلب رضاك وقد أكملت عقلي حتى عرفتك وعرفت الحق من الباطل والامر من النهي والعلم من الجهل والنور من الظلمة ، فقال الله عز وجل : وعزتي وجلالي لا أحجب بيني وبينك في وقت من الأوقات كذلك أفعل بأحبائي . يا أحمد هل تدري أي عيش أهنأ وأي حياة أبقى ؟ قال : اللهم لا ، قال : أما العيش الهنئ ( 1 ) فهو الذي لا يفتر صاحبه ( 2 ) عن ذكري ولا ينسى نعمتي ولا يجهل حقي ، يطلب رضاي في ليله ونهاره ، وأما الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتى تهون عليه الدنيا وتصغر في عينه ، وتعظم الآخرة عنده ، ويؤثر هواي على هواه ويبتغي مرضاتي ويعظم حق عظمتي ويذكر علمي به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كل سيئة أو معصية ، وينقى قلبه عن كل ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا وسبيلا ، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبا حتى أجعل قلبه لي وفراغه واشتغاله وهمه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي ، وأفتح عين قلبه وسمعه حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي ، وأضيق عليه الدنيا وأبغض إليه ما فيها من اللذات واحذره من الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي غنمه من مراتع الهلكة فإذا كان هكذا يفر من الناس فرارا ، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن . يا أحمد ولأزيننه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهنئ والحياة الباقية وهذا مقام الراضين ، فمن عمل برضاي ألزمه ثلاث خصال : اعرفه شكرا لا يخالطه الجهل ، وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين فإذا أحبني أحببته ، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ولا أخفي عليه خاصة خلقي
--> ( 1 ) الهنئ : السائغ وما أتاك بلا مشقة . ( 2 ) أي لا يمل ولا يكسل ولا يضعف .