العلامة المجلسي

205

بحار الأنوار

عليه في المسألة يفتح لك أبواب الرحمة ، لا يقنطك إن أبطأت عليك الإجابة فإن العطية على قدر المسألة ، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون أطول للمسألة وأجزل للعطية ، ربما سألت الشئ فلم تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرت إلى ما هو خير لك ، فلرب أمر قد طلبته وفيه هلاك دينك ودنياك لو أوتيته ، ولتكن مسألتك فيما يعنيك مما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله ، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له ، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو العفو الكريم . واعلم يا بني إنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وأنك في منزل قلعة ، ودار بلغة ( 1 ) وطريق إلى الآخرة ، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه ، ولابد أنه مدركك يوما ، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك . يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه واجعله أمامك حيث [ تراه حتى ] يأتيك وقد أخذت منه حذرك وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك ( 2 ) ولا يأخذك على غرتك ، وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم ، فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك . وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها وتكالبهم عليها ( 3 ) وقد نبأك الله جل جلاله عنها ونعت إليك نفسها وتكشفت لك عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها بعضا ( 4 ) ويأكل عزيزها ذليلها [ ويقهر كبيرها صغيرها ]

--> ( 1 ) القلعة - بالضم فالسكون - أي لا يصلح للاستيطان والإقامة ، يقال منزل قلعة أي لا يملك لنازله ، ويقلع عنه ولا يدرى متى ينتقل عنه . والبلغة : ما يبلغ به من العيش والمراد أنها دار تؤخذ فيها الكفاية للآخرة . ( 2 ) أي يغلبك . ( 3 ) التكالب : التواثب أي شدة حرصهم عليها . ( 4 ) ضارية أي مولعة بالافتراس : ويهر أي يكره أن ينظر بعضها بعضا ويمقت .