العلامة المجلسي

198

بحار الأنوار

الذي قدمناه وبين الشيخ محمد بن يعقوب في رسالة أبيك أمير المؤمنين عليه السلام إلى ولده تفاوتا فنحن نوردها برواية محمد بن يعقوب الكليني فهو أجمل وأفضل فيما قصدناه ، فذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل باسناده إلى جعفر بن عنبسة عن عباد بن زياد الأسدي عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لما أقبل أمير المؤمنين عليه السلام من صفين كتب إلى ابنه الحسن عليه [ وعلى جده وأبيه وأمه وأخيه الصلاة و ] السلام . بسم الله الرحمن الرحيم من الوالد الفان ، المقر للزمان ( 1 ) المدبر العمر المستسلم للدهر ( 2 ) الذام للدنيا ، الساكن مساكن الموتى ، الظاعن عنها غدا ( 3 ) إلى الولد المؤمل ما لا يدرك ( 4 ) السالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ، ورهينة الأيام ، ورمية المصائب ( 5 ) وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ( 6 ) وأسير الموت

--> ( 1 ) حذفت الياء ههنا للازدواج بين الفان والزمان . وقوله " المقر للزمان " أي المقر له بالغلبة والقهر ، المعترف بالعجز في يد تصرفاته كأنه قدره خصما ذا بأس . وقوله " المدبر العمر " لأنه عليه السلام حين ذاك مضى من عمره أزيد من ستين سنة ولم يبق من عمره عليه السلام الا أقل قليل . ( 2 ) عبارة أخرى عن قوله " المقر للزمان " وهو آكد منه . لأنه قد يقر الانسان لخصمه ولا يستسلم . ( 3 ) يريد عليه السلام قرب الرحيل ، والظاعن : الراحل . ( 4 ) أي يؤمل البقاء في الدنيا وهو مما لا يدركه أحد من أبناء آدم وغيره من موجودات هذا العالم . ( 5 ) الرهينة : المرهونة أي أنه في قبضتها وحكمها : والرمية في الأصل اسم للصيد ويجوز أن يكون اسما لما يرمى وما أصابه السهم . ولهذا الحق به الهاء كالذبيحة والانسان كالهدف لا فات الدنيا ولا محالة يدركه الموت . ( 6 ) قال ابن أبي الحديد قوله " عبد الدنيا وتاجر الغرور وغريم المنايا " لان الانسان طوع شهواته فهو عبد الدنيا ، وحركاته فيها مبنية على غرور لا أصل له ، فهو تاجر الغرور لا محالة ، ولما كانت المنايا ( أي الموت والهلاك ) تطالبه بالرحيل عن هذه الدار كانت غريما له يقتضيه ما لا بد له من أدائه . انتهى .