ابن جماعة
82
المختصر الكبير في سيرة النبي محمد ( ص )
ذلك فخافوا خروج رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) فاجتمعوا في دار الندوة ، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ، ليتشاوروا في أمر رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) « 1 » . ويسمّى اليوم الّذي اجتمعوا فيه يوم ( الزّحمة ) وحضرهم إبليس - لعنة اللّه عليه - في صورة شيخ كبير من أهل نجد « 2 » ، فتذاكروا [ ص / 25 ] أمر رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) فأشار بعضهم بحبسه « 3 » ، وأشار بعضهم بنفيه « 4 » ، فرد ذلك إبليس وقال : ليس هذا برأي ، فقال أبو جهل : أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا ، ثم نعطيه سيفا صارما ، فيضربونه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يدرى بنو عبد مناف بعد ذلك ما يصنعون . فقال إبليس : للّه درّ الفتى ، هذا الرأي وإلا فلا ، فتفرقوا على ذلك ، وأجمعوا عليه . فأتى جبريل النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) فأعلمه بذلك ، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة ، وأمر رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، فبات فيه عليّ ، وتغشى بردا أحمر حضرميّا ، كان رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ينام فيه . واجتمع النفر من قريش يتطلعون من صير « 5 » الباب ، ويرصدونه يريدون بياته ، ويأتمرون أيهم يحمل عليه . فخرج رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) وهم جلوس على الباب ، فأخذ حفنة من تراب ، فجعل يذرّه على رؤوسهم ، ويتلو يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 4 ) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 5 ) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( 6 ) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 7 ) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى
--> ( 1 ) الطبقات الكبرى لابن سعد 1 / 1 / 153 ، وتاريخ الطبري 2 / 369 ، 370 . ( 2 ) علل السهيلي في الروض الأنف 1 / 291 انتساب إبليس إلى أهل " نجد " بقوله : لأن المجتمعين قالوا : لا يدخلنّ معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة ، لأن هواهم مع محمد ، فلذلك تمثل لهم إبليس في صورة شيخ نجدى . ( 3 ) قال السهيلي في الروض الأنف 1 / 291 : صاحب هذا الرأي أبو البختري بن هشام . ( 4 ) ذكر السهيلي في كتابه الروض الأنف 1 / 291 : صاحب هذا الرأي أبو الأسود ربيعة ابن عامر أحد بنى عامر بن لؤي . ( 5 ) صير الباب : شق الباب : لسان العرب لابن منظور ( صير ) .