ابن جماعة
66
المختصر الكبير في سيرة النبي محمد ( ص )
ولما بلغ النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) خمسا وثلاثين سنة ، وقيل خمسا وعشرين ، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة « 1 » ، والّذي حملهم على ذلك أن باب الكعبة كان بالأرض ، وكان السيل يدخل من أعلى مكة حتى يدخل البيت ، فانصدع ، وسرق طيب الكعبة « 2 » ، فخافوا أن ينهدم البيت « 3 » . وروى أن سبب انهدامها أن امرأة جاءت بمجمرة تجمّر الكعبة ، فسقطت منها شرارة فتعلقت بكسوة الكعبة فاحترقت ، ولما أجمعوا على هدمها قال بعضهم « 4 » : لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا ما لم تقطعوا فيه رحما [ ص / 13 ] . ولم تظلموا فيه أحدا . فبدأ الوليد بن المغيرة بهدمها ، وأخذ المعول ، ثم قام عليها يطرح الحجارة وهو يقول : اللهم لم ترع « 5 » إنما نريد الخير ، فهدم وهدمت قريش . ثم أخذوا في بنائها ، فلما انتهوا إلى حيث يوضع الركن من البيت قالت كل قبيلة : نحن أحق بوضعه . واختلفوا حتى همّوا بالقتال ، وقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدىّ على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسمّوا " لعقة الدم " ثم اتفقوا على أن يجعلوا بينهم أول من يدخل من باب بنى شيبة ، يقضى بينهم ، فكان رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) أول من دخل من باب بنى شيبة ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ، قد رضينا بما يقضى بيننا ، ثم أخبروه الخبر ، فوضع رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) رداءه ، وبسطه في الأرض ، ثم
--> ( 1 ) انظر خبر بنيان الكعبة في : السيرة النبوية لابن هشام 1 / 209 ، والطبقات الكبرى لابن سعد 1 / 1 / 93 ، وتاريخ الطبري 2 / 287 - 290 ، ودلائل النبوة للبيهقي 2 / 43 ، والاكتفاء في مغازى رسول اللّه للكلاعى 1 / 203 . ونهاية الأرب للنويرى 16 / 99 - 102 . ( 2 ) في الاكتفاء في مغازى رسول اللّه للكلاعى 1 / 205 ، وعيون الأثر لابن سيد الناس 1 / 52 وكان رجل يقال له مليح الّذي سرق طيب الكعبة . ( 3 ) انظر نهاية الأرب لشهاب الدين النويري 16 / 99 . ( 4 ) سماه ابن إسحاق في السيرة النبوية 1 / 175 " أبو وهب عامر بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم " . وسماه ابن هشام في السيرة النبوية 1 / 210 " أبو وهب ابن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم " وسماه الطبري في تاريخه 2 / 289 " أبو وهب بن عمرو بن عمران ابن مخزوم " . ( 5 ) قال السهيلي في الروض الأنف 1 / 131 : " لم ترع " هي كلمة تقال عند تسكين الروع والتأنيس والبر في القول .