محمد حميد الله
536
مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة
عرض كل وفد الخلافة على محبوبه ، صاح بهم كل واحد منهم ( من علي وغيره ) وأطردهم . ومما يظهر الكفر والنفاق في بعض قواد الثائرين أن رئيس المصريين الغافقي بن حرب العكّي كان في الأصل من أهل اليمن ولعله كان أيضا يهوديا مثل ابن سبأ . فقد ذكر الطبري أن الغافقي هذا ضرب عثمان « بحديدة معه ، وضرب المصحف الشريف برجله فاستدار المصحف فاستقرّ بين يدي عثمان وسالت عليه الدماء » . ( راجع أيضا ابن كثير 7 / 185 ) . على كل حال دخل الثائرون المصريون المدينة المنورة ، وطلبوا من عثمان رضي اللّه عنه عزل والي مصر . فقبل في الفور بدون حاجة ، وسأل الثائرين : من يريدون محله ؟ فسمّوا محمد بن أبي بكر الصديق ، وكان الناس يسمّونه « الفاسق » . ولعل غرض الثائرين أن يجرّوا أم المؤمنين عائشة في الفتنة . على كل حال قبل عثمان طلبهم ، وكتب له الولاية . لم يكن الثائرون ينتظرون أن عثمان سيقبل طلبهم بهذه السهولة . ففرحوا في الظاهر وغضبوا في الباطن ، ولكن لم يجدوا بدّا من أن يخرجوا من المدينة مع محمد بن أبي بكر الصديق . فلما كانوا في الطريق ، مرّ بهم راكب مسرع ، ووجدوا عنده مكتوبا رسميا لسيدنا عثمان إلى والي مصر يأمره بقتل محمد بن أبي بكر إذا وصل إليه . وذكر ابن حجر في المطالب العالية ، رقم 4438 ، عن إسحاق بن راهويه : « ثم رجع المصريون راضين . فبيناهم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم ويفارقهم ، ثم يرجع إليهم ، ثم يفارقهم ويسبّهم . قالوا له : ما لك ؟ إن لك أمرا ، ما شأنك ؟ فقال : أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر . ففتشوه فإذا هم بالكتاب معه على لسان عثمان ، عليه خاتمه ، إلى عامله بمصر يأمره أن يصلّبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . فأقبلوا [ أي محمد بن أبي بكر ، وابن سبأ وآخرون ] حتى قدموا المدينة ، فأتوا عليّا ، فقالوا : ألم تر إلى عدو اللّه ( أي سيدنا عثمان ) يكتب فينا كذا وكذا ، وإن اللّه قد أحلّ دمه فقم معنا .