محمد حميد الله
500
مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة
فأعاد عليه عمرو بن العاص مكتوبا جواب كتابه : بسم اللّه الرحمن الرحيم . أما بعد : يا أمير المؤمنين فإنها تربة غبراء ، وحشيشة خضراء ، بين جبلين ، جبل رمل كأنّه بطن أقبّ وظهر أجبّ . ورزقها ما بين أسوان إلى منشا من البر . يخط وسطها نهر مبارك الغدوات ، ميمون الروحات . يجري بالزيادة والنقصان ، كمجاري الشمس والقمر . له أوان تظهر إليه عيون الأرض ومنابعها ، مسخّرة له بذلك ومأمورة له . حتى اطلخمّ عجاجه ، وتغطغطت أمواجه ، واغلولوت لججه ، لم يبق الخلاص إلى القرى بعضها إلى بعض ، إلا في خفاف القوارب ، أو صغار المراكب ، التي كأنها في الحبائل ورق الأبابيل . ثم أعاد بعد انتهاء أجله نكص على عقبه ، كأول ما بدا ، في دربه وطما في سربه . ثم استبان مكنونها ومخزونها . ثم انتشرت بعد ذلك أمّة مخفورة ، وذمّة مغفورة لغيرهم ما سعوا به من كدهم وما ينالوا بجهدهم ، شعثوا بطون الأرض وروابيها . ورموا فيها من الحبّ ما يرجون به من التمام من الربّ . حتى إذا أحدق فاستبق وأسبل قنواته سقى اللّه من فوقه الندى ، ورواه من تحته بالثرى . وربما كان سحاب مكفهر وربما لم يكن . وفي زماننا ذلك ، يا أمير المؤمنين ، ما يغنّي ذبابه ويدرّ حلابه . فبينما هي برية غبراء ، إذ هي لجة زرقاء ، إذ هي سندسية خضراء ، إذ هي ديباجة رقشاء ، إذ هي درّة بيضاء ، إذ هي حلّة سوداء . فتبارك اللّه أحسن الخالقين . وفيها ما يصلح أحوال أهلها ثلاثة أشياء : أولها : لا تقبل قول رئيسها على خسيسها . والثاني : يؤخذ ارتفاعها ( . . ؟ ) يصرف في عمارة ترعها وجسورها . والثالث : لا يستأدى خراج كل صنف إلا منه عند استهلاله . والسلام .