محمد حميد الله
182
مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة
المنعوتة في كتاب اللّه ، من توكيده عليهم في حال نبيّه . وذلك يؤذن عن غشّ صدورهم ، وسوء مأخذهم ، وقساوة قلوبهم ، بأن عملوا أوزارهم وحملوها ، وكتموا ما أكده اللّه عليهم فيها بأن يظهروه ، ولا يكتموه ، ويعرفوه ، ولا يجحدوه . فعملت الأمم بخلاف ما كانت الحجة به عليهم ؛ فلم يرعوه حقّ رعايته ، ولم يأخذوا في ذلك بالآثار المحدودة ، وأجمعوا على العداوة للّه ورسوله ، والتأليب عليهم ، والتزيين للناس بالتكذيب والحجة ألّا يكون اللّه أرسله إلى الناس بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، يبشر بالجنة من أطاعه ، وينذر بالنار من عصاه . فقد حملوا من ذلك أكثر ما زيّنوا لأنفسهم من التكذيب ، وزينوا للناس [ من مخالفة ] فعله ، ودفع رسالته ، وطلب الغائلة له ، والأخذ عليه بالمرصاد . فهمّوا برسول اللّه ، وأرادوا قتله ، وأعانوا المشركين من قريش وغيرهم على عداوته ، والمماراة في نقضه وجحوده ، واستوجبوا بذلك الانخلاع من عهد اللّه ، والخروج من ذمّته . وكان من أمرهم في يوم حنين ، وبني قينقاع ، وقريظة ، والنضير ، ورؤسائهم ، ما كان من موالاتهم أعداء اللّه من أهل مكة على حرب رسول اللّه ، ومظاهرتهم إياهم بالمادّة من القوة والسلاح ، إعانة على رسول اللّه وعداوة للمؤمنين . خلا ما كان من أهل النصرانية : فلما لم يجيبوا إلى محاربة اللّه ورسوله ، لما وصفهم اللّه من لين قلوبهم لأهل هذه الدعوة ، ومسالمة صدورهم لأهل الإسلام . وكان فيما أثنى اللّه عليهم في كتابه ، وما أنزله من الوحي ، أن وصف اليهود وقساوة قلوبهم ، ورقة قلوب أهل النصرانية إلى مودّة المؤمنين فقال : « لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، ولتجدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهبانا وأنّهم لا يستكبرون . . .