محمد حميد الله

113

مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة

بجواب كتابه . فجاء بي . فدفع إليّ هرقل كتابا ، فقال : « اذهب بكتابي إلى هذا الرجل . فما ضيّعت من حديثه ، فاحفظ لي منه ثلاث خصال : انظر هل يذكر صحيفته التي كتب إليّ بشيء ؛ وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ( والنهار ) ؛ وانظر في ظهره هل به شيء يريبك ؟ » . فانطلقت بكتابه حتى جئت بتبوك . فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه ، محتبيا على الماء . فقلت : أين صاحبكم ؟ قيل : ها هو ذا . فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه ، فناولته كتابي . فوضعه في حجره ، ثم قال : ممن أنت ؟ فقلت : أنا أحد تنوخ . قال : هل لك في الإسلام ، الحنيفية ملّة أبيك إبراهيم ؟ قلت : إني رسول قوم ، وعلى دين قوم ، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم . فضحك وقال : « إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين » . يا أخا تنوخ ، إني كتبت بكتاب إلى كسرى ، فمزّقه ؛ واللّه ممزّقه وممزّق ملكه . وكتبت إلى النجاشي بصحيفة ، فخرقها ؛ واللّه مخرقه ومخرق ملكه . وكتبت إلى صاحبك بصحيفة ، فأمسكها . فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير . قلت : هذه إحدى الثلاثة التي أوصاني بها صاحبي . وأخذت سهما من جعبتي ، فكتبت في جلد سيفي . ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره . قلت : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟ قالوا : معاوية . فإذا في كتاب صاحبي : « تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين ؛ فأين النار ؟ » . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : سبحان اللّه ؛ أين الليل إذا جاء النهار ؟ فأخذت سهما من جعبتي ، فكتبتها في جلد سيفي . فلما أن فرغ من قراءة كتابي ، قال : « إنّ لك حقا ، وإنك رسول ، فلو وجدت عندنا جائزة جوّزناك بها . إنّا سفر ، مرملون »