عاصم ابراهيم الكيالى الحسيني الشاذلى الدرقادي

351

مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى

إلى فعلته الأولى بهمة قوية ، فساخت قوائم فرسه في تلك الأرض كما حصل في المرة الأولى ، فطلب العفو فعفا عنه السيد الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم . قيل : وفعل ذلك مرة ثالثة فطلب العفو والمسامحة ، وصار هو الذي يرد الطلب عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في تلك الجهة ، ويقول لمن أراد أن يتوجّه إليها : ارجعوا فقد كفيتم هذه الناحية ، وقدم صلى اللّه عليه وسلم المدينة يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول ، وأشرقت به أرجاؤها الزكية ، وتلقاه الأنصار ، ونزل بقباء ، وأسّس مسجدها على تقواه . محمّد صلى اللّه عليه وسلم بشر وليس كالبشر نزّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ربّه عن الشريك والمثيل ، وخصّه بالألوهية ، وما استغاث أو استجار أو استعان بغير ذي الجلال والبهاء . نهى عن الكهانة والسحر وتعليق التمائم شأن الجاهلية ، وما حلف أو نذر أو طلب من غير رب السماء وقال : « لا تطروني » كما أطرت ابن مريم الأمة النصرانية ، إذ وصفوه بأوصاف الألوهية ، وأخرجوه عن مرتبة العبودية التي هي أشرف مراتب الأنبياء ، لذلك نهى صلى اللّه عليه وسلم عن مثل هذا الإطراء ، وليس في ذلك نهي عن مدحه بما يليق بمقاماته الكمالية والجمالية ، التي هي أعلى الصفات البشرية ، بل قد مدحه ربّه في القرآن ، وتحدّث هو عن نفسه مع تمام التواضع والأدب مع اللّه ، وسمع ذلك وأجاز عليه وأعطى أفضل العطاء . وقد أخطأ بعض الناس خطأ قبيحا حين فهم من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم » ، فظن أن هذا فيه النهي عن مدحه والثناء عليه ، وفاته - بل جهل - أن هذا النهي منه صلى اللّه عليه وسلم إنما يتناول ما كان من المدح والثناء باطلا . لأن الإطراء في المدح أن يحلى المادح بعقود الثناء جيدا عاطلا . فأما ذكر ما اتصف به الممدوح من جميل الخلال ، أو ارتدى به من ملابس الجلال ، فليس من الإطراء المنهي عنه في هذا الخبر . وقد علم أن النصارى غلوا في عيسى عليه السلام ، حتى رفعوه عن رتبة البشر . وها أنا أذكر نوعا من وصفه صلى اللّه عليه وسلم غنيّ إجماله عن تفصيل طويل ، وأنبه على كثير من فضله بهذا القول القليل ، فأقول : إن اللّه سبحانه فضّل بعض الأنبياء على بعض ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات . وقد دلّ على ذلك الكتاب والسنّة ، فمن الكتاب قول اللّه تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ البقرة : الآية 253 ] وقد اصطفى اللّه نبينا على الأنبياء ، فجعله لهم ختاما ومقدما وإماما وأولا وسابقا ومتبوعا ، وإن كان في الزمان لاحقا ، جمع اللّه ما فيه ما تفرّق من الفضائل على الوجه الأتم الأكمل ، ولا درجة أعظم من درجة الأنبياء ، فإنهم أفضل العالمين على الإطلاق ، ونبينا صلى اللّه عليه وسلم أفضل هذا الأفضل . فهو أفضل مخلوق وأكمله ، فلا فضل إلا وقد جمعه ، ولا