جعفر بن البرزنجي
573
الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )
ووصفه بالعظم دون الكرم الغالب وصفه ، أي الخلق به لأن كرمه يراد به السماحة والدماثة ، وخلقه صلى اللّه عليه وسلم غير مقصور على ذلك ؛ بل كما كان عنده غاية الرحمة للمؤمنين ؛ عنده غاية الغلظة والشدة على الكافرين باعتبار ما آل إليه أمره صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ « 1 » وإلا فهو صلى اللّه عليه وسلم قبل ذلك كان مأمورا بالصبر على تحمل أذاهم والإعراض عنهم فاعتدل فيه الإنعام والانتقام . أما دعاؤه صلى اللّه عليه وسلم : « واهدني لأحسن الأخلاق . . . » الحديث ، فإنه للعبودية والخضوع ، وإلا فهو مجبول على أكرم الأخلاق وأعظمها ؛ وذلك كله ناشئ عن كمال عقله الذي لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها إلا كحبة رملة من بين جميع رمال الدنيا ، كما في رواية أبى نعيم ، وابن عساكر ، عن وهب : أنه وجد في أحد وسبعين كتابا أن اللّه تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله صلى اللّه عليه وسلم إلا كحبة رملة من بين جميع رمال الدنيا « 2 » . ومحل العقل القلب على الأصح ، والقلوب محل الإخلاص ، وأسرار البارئ ، وأجل قلب أودعه ذلك قلب نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، وقد جعل اللّه للنفوس أعلاما على أسرار القلوب فمن تحقق بسر اللّه الأكبر اتسعت أخلاقه لجميع الخلق ، وقلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أوسع قلب اطّلع اللّه عليه - كما ورد ، ومما يقطع بصحة ذلك سياسته صلى اللّه عليه وسلم للعرب الذين هم كالوحوش الشاردة ، وصبره على طبائعهم المتنافرة المتباعدة ، حتى قاتلوا دونه أهاليهم ، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحبابهم ، مع أنه لم يطّلع على سير الماضين ، ولا تعلّم من العقلاء المحدثين .
--> ( 1 ) سورة التحريم : 9 . ( 2 ) عزاه السيوطي في الخصائص الكبرى ( 1 / 114 ) لأبى نعيم في الحلية وابن عساكر .