جعفر بن البرزنجي

501

الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )

ووافى مكة قبل الصبح ، فخرج إلى المسجد الحرام وقعد معتزلا حزينا ، فمر به عدو اللّه أبو جهل فجلس إليه وقال كالمستهزىء : هل استفدت الليلة من شيء ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « نعم أسرى بي الليلة » قال : إلى أين ؟ قال : « إلى بيت المقدس » قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ ! قال : « نعم » . فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه . قال : أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني ؟ قال : « نعم » . قال أبو جهل : يا معشر بنى كعب بن لؤيّ ، هلموا . فانقضت إليه المجالس فجاءوا حتى جلسوا إليهما ، فقال : حدّث قومك بمثل ما حدثتني . فقال : « إني أسرى بي الليلة » قالوا : إلى أين ؟ قال : « إلى بيت المقدس » . قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال : « نعم » . فكذبوه وصاروا عند ذلك ما بين مصفق وواضع يده على رأسه متعجبا ، وضجّوا وعظموا ذلك . قال المطعم بن عدىّ : كل أمرك قبل اليوم كان أمما - أي سهلا - غير قولك اليوم ، ثم كذبه وقال : نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا ، ومنحدرا شهرا تزعم أنك أتيته في ليلة ، واللات والعزّى لا أصدقك . فقال أبو بكر - رضى اللّه عنه - يا مطعم ، بئس ما قلت لابن أخيك ؛ جبهته وكذبته ، أنا أشهد أنه صادق « 1 » . وهو المراد بقوله رحمه اللّه : ( وصدّقه الصّديق ) أبو بكر - رضى اللّه عنه - وقال : إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء في غدوة أو روحة ، فلذلك سمى الصدّيق كما مر . ( و ) صدقه أيضا ( كلّ ذي ) صاحب ( عقل ) يمنع صاحبه من الوقوع في مهوات تنقيص أحد من رسل اللّه فضلا عن تكذيبهم . ( و ) صدقه كل ذي ( رويّة ) تأن في الأمور وتدبر ؛ لأنه يلزم من تكذيب

--> ( 1 ) المنتظم ( 3 / 30 ) ، مسند أحمد ( 1 / 309 ) ، وعزاه الهيثمي في المجمع ( 1 / 64 ، 65 ) للبزار والطبراني في الكبير والأوسط ، وقال : رجال أحمد رجال الصحيح .