جعفر بن البرزنجي
488
الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )
( وأماط ) أي رفع وأزال ( له حجب الأنوار الجلاليّة ) أي المنسوبة للجلال والعظمة . واعلم أن اللّه سبحانه وتعالى لا يحجبه شيء ، وما ذكر من الحجب في هذا المحل الرفيع - بفرض صحتها - إنما هو بالنسبة إلى المخلوق فالخلق كلهم محجوبون عنه تعالى بمعانى الأسماء ، والصفات ، والأفعال ، والأنوار ، والظلمات . كلّ له مقام من الحجب معلوم ، وحظّ من الإدراك والمعرفة مقسوم ، وأقرب الخلق إلى اللّه تعالى : الملائكة الحافون والمكرمون ، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال والقدس والقيومية حجب الذات بالصفات ، وهم في الحجب عنه على طبقات مختلفات ، كلّ على مقام معلوم ودرجات ، وبالجملة فالمخلوقات كلها ما كانت حجابا عن الخالق ، فقوم محجوبون برؤية النّعم عن المنعم ، وبرؤية الأحوال عن المحوّل ، وبرؤية الأسباب عن المسبب . وقوم حجبوا عن العلم بالعلم ، وبالفهم عن الفهم ، وبالعقل عن العقل . وذلك كله من معنى حجاب النعم عن المنعم والمواهب عن المواهب . وقوم حجبوا بالشهوات المباحة . وقوم بالشهوات المحرمات والمعاصي والسيئات . وقوم حجبوا بالمال والبنين وزينة الحياة الدنيا . اللهم لا تحجب قلوبنا عنك في الدنيا ولا أبصارنا في الآخرة يا كريم . ورد أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما جاوز سدرة المنتهى غشيته سحابة من نور فيها الألوان ما شاء اللّه ، فوقف جبريل ولم يسر معه ، فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أتتركني أسير منفردا ؟ ! » . فقال جبريل : وما منا إلا له مقام معلوم . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « سر معي ولو خطوة » . فسار معه فكاد أن يحرق من النور والجلال والهيبة وصغر وذاب حتى صار قدر العصفور . وإنما لم يحصل للنبي صلى اللّه عليه وسلم مثل ما حصل لجبريل من المشقة وعدم الطاقة ؛ لأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مراد ومطلوب فأعطاه اللّه قوة واستعدادا لتحمل هذا المقام بخلاف غيره . ولذلك لما تجلى اللّه للجبل اندكّ وغار في الأرض وخرّ موسى صعقا من الجلال ؛ لأن موسى طالب ومريد ومحمد مطلوب ومراد ، وفرق