جعفر بن البرزنجي
369
الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )
قال بعضهم : والظاهر أنه صلى اللّه عليه وسلم كان متعبدا بالعبادات الباطنة من الأذكار القلبية ، والأفكار في الصفات الإلهية ، والأخلاق السنية ، والشمائل البهية من الرحمة على الضعفاء ، والشفقة على الفقراء ، والتحمل من الأعداء ، والصبر على البلاء ، والشكر على النعماء ، والرضا بالقضاء ، والتسليم والتفويض ، والتوكل على رب الأرض والسماء ، والتحقق بحال الفناء ومقام البقاء ، على ما يكون منتهى حال كمل الأولياء والأصفياء . ولذا قيل : بداية الأنبياء نهاية الأولياء . وأما ما قاله بعضهم من أن بداية الولي نهاية النبيّ فإنما هو باعتبار التكاليف الشرعية من الأوامر الفرضية والزواجر المنهية ، فما لم يتصف السالك بما انتهى إليه أمر دينه صلى اللّه عليه وسلم لم يدخل في باب الولاية ولا يكون له حظ من حسن الرعاية وحفظ الحماية . . انتهى . وجاء عن عمر بن شرحبيل : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لخديجة - رضى اللّه عنها - : « إذا خلوت سمعت نداء يا محمد يا محمد » « 1 » وفي رواية : « أرى نورا أي يقظة - لا مناما ، وأسمع صوتا ، ولقد خشيت أن يكون واللّه لهذا أمر » . وفي رواية : « واللّه ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط ، ولا الكهان ، وإني لأخشى أن أكون كاهنا » « 2 » ؛ أي فيكون الذي يناديني تابعا من الجن ؛ لأن الأصنام كانت الجن تدخلها وتخاطب سدنتها ، والكاهن يأتيه الجن بخبر السماء . وفي رواية : وأخشى أن يكون بي جنون - أي لمة من الجن - فقالت خديجة : كلا يا ابن عمّ ! ما كان اللّه يفعل ذلك بك ؛ إنك لتؤدّى الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث « 3 » .
--> ( 1 ) البيهقي في دلائل النبوة ( 2 / 158 ) ، الدر المنثور ( 1 / 3 ) . ( 2 ) طبقات ابن سعد ( 1 / 195 ) بنحوه ، السيرة الشامية ( 2 / 307 ) . ( 3 ) مرّ سابقا .