جعفر بن البرزنجي
176
الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )
وفي رفع بصره صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء في تلك الحالة كما قاله العلامة الشمس الجوجرى « 1 » - رحمه اللّه تعالى - إشارة وإيماء إلى رفع شأنه وعلو قدره ، وأنه يسود الخلق أجمعين . وكان هذا أول فعل وجد منه صلى اللّه عليه وسلم في أول ولادته ، وفيه إشارة وإيماء لمن تأمل أن جميع ما يقع له من حين يولد إلى حين يقبض صلى اللّه عليه وسلم مما يدل عليه ذلك الفعل ؛ فإنه صلى اللّه عليه وسلم لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين ، علىّ الشأن على المخلوقات أجمعين في الدنيا والآخرة . وللّه در الإمام البوصيري - رحمه اللّه - حيث أشار إلى ذلك في قصيدته الهمزية المحمدية بقوله : رافعا رأسه وفي ذلك الرّف * ع إلى كلّ سؤدد إيماء « 2 » رامقا طرفه السّماء ومرمى * عين من شأنه العلوّ العلاء « 3 » وفي رفع رأسه صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء إشارة وإيماء إلى كل سؤدد ، وأنه لا يتوجه قصده إلا إلى جهة العلو دون غيرها مما لا يناسب قصده . وروى الطبراني أنه لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يده مشيرا بالسبابة كالمسبح بها . وسبقت رواية : أنها لما وضعته نظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع إصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل . قال بعض أهل الإشارات : لما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام قال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا « 4 » فأخبر عن نفسه بالعبودية والرسالة ، ونبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وقع ساجدا وخرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ، وقبض قبضة من تراب ، ورفع رأسه إلى السماء ، فكانت عبودية عيسى عليه الصلاة والسلام بالمقال ، وعبودية محمد صلى اللّه عليه وسلم بالفعال ، ورسالة
--> ( 1 ) هو محمد بن عبد المنعم بن محمد الجوجرى ( 821 - 889 ه ) من فقهاء الشافعية بمصر . له تصانيف منها : « شرح همزية البوصيري » و « ترجمة الإمام الشافعي » . الأعلام ( 6 / 251 ) . ( 2 ) إيماء : إشارة . ( 3 ) الرامق : الناظر . مرمى العين : نظرها . العلاء : الرفعة . والبيتين في المجموعة النبهانية ( 1 / 78 ) . ( 4 ) سورة مريم : 30 .