العلامة المجلسي
200
بحار الأنوار
بيان : " ضع أمر أخيك " أي احمل ما صدر عن أخيك من قول أو فعل على أحسن محتملاته ، وإن كان مرجوحا من غير تجسس حتى يأتيك منه أمر لا يمكنك تأويله ، فان الظن قد يخطئ والتجسس منهي عنه كما قال تعالى : " إن بعض الظن إثم " ( 1 ) وقال : " ولا تجسسوا " ( 2 ) وقوله : " ما يغلبك " في بعض النسخ بالغين ، فقوله : منه متعلق بيأتيك أي حتى يأتيك من قبله ما يعجزك ولم يمكنك التأويل ، وفي بعض النسخ بالقاف من باب ضرب كالسابق أو من باب الافعال فالظرف متعلق بيقلبك ، والضمير للأحسن قوله عليه السلام : ولا تظنن تأكيد لبعض أفراد الكلام السابق ، أو السابق محمول على الفعل ، وهذه الجملة مروية في نهج البلاغة وفيه " من أحد ومحتملا " والحاصل أنه إذا صدرت منه كلمة ذات وجهين ، وجب عليك أن تحملها على الوجه الخير ، وإن كان معنى مجازيا بدون قرينة أو كناية أو تورية أو نحوهما ، لا سيما إذا ادعاه القائل . ومن هذا القبيل ما سماه علماء العربية أسلوب الحكيم كما قال الحجاج للقبعثرى متوعدا له بالقيد : لأحملنك على الأدهم ، فقال القبعثري : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب ، فأبرز وعيده في معرض الوعد ، ثم قال الحجاج للتصريح بمقصوده : إنه حديد ، فقال القبعثري : لان يكون حديدا خير من أن يكون بليدا . وقال الشهيد الثاني روح الله روحه وغيره ممن سبقه : اعلم أنه كما يحرم على الانسان سوء القول في المؤمن ، وأن يحدث غيره بلسانه بمساوي الغير كذلك يحرم عليه سوء الظن وأن يحدث نفسه بذلك ، والمراد بسوء الظن المحرم عقد القلب وحكمه عليه بالسوء من غير يقين ، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه كما أن الشك أيضا معفو عنه ، قال الله تعالى " اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم " ( 3 ) فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل ، وما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقبه ، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق وقد قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا
--> ( 1 ) الحجرات : 12 . ( 2 ) الحجرات : 12 . ( 3 ) الحجرات : 13 .