السيد محمد باقر الموسوي

378

الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم ( ع )

السابقة ، فليس ذلك تأريخا لأولئك الأشخاص الّذين عاشوا على وجه الأرض يوما ما ، وكانوا بشرا من البشر تتنازعهم ضروب شتّى من الشعور والإحساس ، وتختلج في ضمائرهم ألوان مختلفة من نوازع الخير ونزعات الشرّ ، بل هو ترجمة لأشخاص عاشوا في ذهننا وطارت بهم نفوسنا إلى الآفاق العالية من الخيال . فإذا كنت تريد أن تكون حرّا في تفكيرك ، ومؤرّخا لدنيا الناس لا روائيا يستوحي من دنيا ذهنه ما يكتب ، فضع عواطفك جانبا - أو إذا شئت فاملأ بها شعاب نفسك ، فهي ملكك لا ينازعك فيها أحد - واستثن تفكيرك الّذي به تعالج البحث ، فإنّه لم يعد ملكك بعد أن اضطلعت بمسؤوليّة التأريخ ، وأخذت على نفسك أن تكون أمينا ليأتي البحث مستوفيا لشروطه قائما على أسس صحيحة من التفكير والإستنتاج . كثيرة جدّا هذه الأسباب الّتي تحول بين نقاد التأريخ وبين حرّيتهم فيما ينقدون ، وقد اعتاد المؤرّخون - أو أكثر المؤرّخين بتعبير أصحّ - أن يقتصروا على ضروب معينة من هندسة الحياة الّتي يؤرّخونها ، وأن يصوغوا التأريخ صياغة قد يظهر فيها الجمال الفنّي أحيانا حينما يتوسّع الباحث في انطباعاته عن الموضوع . ولكنّها صورة باهتة في أكثر الأحايين ليس فيها ما في دنيا الناس الّتي تصوّرهم من معاني الحياة وشؤونها المتدفقة بألوان من النشاط والحركة والعمل . وسوف تجد فيما يأتي أمثلة بمقدار ما يتّسع له موضوعنا من الزمن الدقيق الّذي ندرسه في هذه الفصول ، أعني الظرف الّذي تلا وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه واله وتقررت فيه المسألة الأساسية في تأريخ الإسلام على شكل لا يتغيّر ، وهي نوع السلطة الّتي ينبغي أن تتولّى أمور المسلمين . . كلّنا نودّ أن يكون التأريخ الإسلامي في عصره الأوّل الزاهر طاهرا كلّ الطهر ، بريئا ممّا يخالط الحياة الإنسانيّة من مضاعفات الشرّ ومزالق الهوى ، فقد