السيد محمد باقر الموسوي

367

الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم ( ع )

وكان بيتها قطب الدولة العتيد ، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على الزمن الخاشع المطيع . ولعلّ أفكارها هذه ساقتها إلى تصوّر أبيها صلّى اللّه عليه واله ، وهو يضمّها إلى صدره الرحيب ، ويحوطها بحنانه العبقري ، ويطبع على فمها الطاهر قبلاته الّتي اعتادتها منه ، وكانت غذاءها صباحا ومساءا . ثمّ وصلت إلى حيث بلغت سلسلة الزمن فيواجهها الواقع العابس ، وإذا بالزمان غير الزمان ، وها هو بيتها مشكاة النور ، ورمز النبوّة والإشعاعة المتألقة المحلقة بالسماء مهدد بين الفينة والفينة . وها هو ابن عمّها الرجل الثاني في دنيا الإسلام باب علم النبوّة ، ووزيرها المخلص ، وهارونها المرجى ، الّذي لم يكن لينفصل ببدايته الطاهرة عن بداية النبوّة المباركة فهو ناصرها في البداية ، وأملها الكبير في النهاية ، يخسر أخيرا خلافة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، وتقوّض معنوياته النوريّة الّتي شهدت لها السماء والأرض جميعا ، وتسقط سوابقه الفذة عن الاعتبار ببعض المقاييس الّتي تمّ اصطلاحها في تلك الأحايين . وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء اللّه لها أن تبكي ، ولم يكن بكاء بمعناه الّذي يظهر على الأسارير ، ويخيم على المظاهر ، بل كان لوعة الضمير ، وارتياع النفس ، وانتفاضة الحسرات في أعماق القلب ، وختمت طوافها الأليم هذا بعبرتين نضتا من مقلتيها . ثمّ لم تطل وقفتها ، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتّى وصلت إلى ميدان الصراع ، فوقفت وقفتها الخالدة ، وأثارت حربها الّذي استعملت فيه ما يمكن مباشرته للمرأة في الإسلام ، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن عاكسها شذوذ الظرف ، وتناثرت أمامها العقبات . * * *