السيد محمد باقر الموسوي

123

الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم ( ع )

وضمن القلوب موصولها ، وأنار في التفكّر معقولها ، الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيّته . ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها كونها بقدرته ، وذرأها بمشيّته من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلّا تثبيتا لحكمته ، وتنبيها على طاعته ، وإظهارا لقدرته ، [ و ] تعبّدا لبريّته ، وإعزازا لدعوته . ثمّ جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، زيادة لعباده من نقمته ، وحياشة « 1 » لهم إلى جنّته . وأشهد أنّ أبي محمّدا صلّى اللّه عليه واله عبده ورسوله ، اختاره قبل أن أرسله ، وسمّاه قبل أن اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه . إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة ، علما من اللّه تعالى بما يلي الأمور ، وإحاطة بحوادث الدهور ، ومعرفة بمواقع الأمور . ابتعثه اللّه إتماما لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنفاذا لمقادير حتمه ، فرأى الأمم فرقا في أديانها ، عكّفا على نيرانها ، عابدة لأوثانها ، منكرة للّه مع عرفانها . فأنار اللّه بأبي محمّد صلّى اللّه عليه واله ظلمها ، وكشف عن القلوب بهمها « 2 » ، وجلى عن الأبصار غممها « 3 » ، وقام في الناس بالهداية ، فأنقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم . ثمّ قبضه اللّه إليه قبض رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار ، فمحمّد صلّى اللّه عليه واله من تعب

--> ( 1 ) حاش الإبل : جمعها وساقها . ( 2 ) بهمها : أي مبهماتها ، وهي المشكلات من الأمور . ( 3 ) الغمم : جمع غمة وهي : المبهم والملتبس ، وفي بعض النسخ : « عماها » .