العلامة المجلسي
259
بحار الأنوار
الفقر والحسد ، وإن لم يكونا يغلبان القدر ، ويقال : إن كاد إذا أوجب به الفعل دل على النفي ، وإذا نفي دل على الوقوع ، وقال شاعرهم : أنحوي هذا الدهر ما هي لفظة * جرت بلساني جرهم وثمود إذا نفيت والله أعلم أوجبت * وإن أوجبت قامت مقام جحود وهذا كما قال عز وجل : " كادوا يكونون عليه لبدا " والمعنى أنهم لم يكونوا ، وقال تعالى : " وما كادوا يفعلون " ( 1 ) وقد ذبحوا . وهذه من أعجب القصص في الحسد وهي من أعاجيب الدنيا ، كان أيام موسى الهادي ببغداد رجل من أهل النعمة ، وكان له جار في دون حاله ، وكان يحسده ويسعى بكل مكروه يمكنه ، ولا يقدر عليه ، قال : فلما طال عليه أمره وجعلت الأيام لا تزيده فيه إلا غيظا ، اشترى غلاما صغيرا فرباه وأحسن إليه فلما شب الغلام واشتدت وقوي غضبه ، قال له مولاه : يا بني إني أريدك لأمر من الأمور جسيم ، فليت شعري كيف لي أنت عند ذلك ؟ قال : كيف يكون العبد لمولاه ، والمنعم عليه المحسن إليه ، والله يا مولاي لو علمت أن رضاك في أن أتقحم النار لرميت بنفسي فيها ، ولو علمت أن رضاك في أن أغرق نفسي في لجة البحر لفعلت ذاك وعدد عليه أشياء ، فسر بذلك من قوله ، وضمه إلى صدره وأكب عليه يترشفه ويقبله ، وقال : أرجو أن تكون ممن يصلح لما أريد ، قال : يا مولاي إن رأيت أن تمن على عبدك فتخبره بعزمك هذا ليعرفه ويضم عليه جوانحه ، قال : لم يأن لذلك بعد ، وإذا كان ذلك فأنت موضع سري ومستودع أمانتي . فتركه سنة فدعاه فقال : أي بني قد أردتك للامر الذي كنت أرشحك له قال له : يا مولاي مرني بما شئت ، فوالله لا تزيدني الأيام إلا طاعة لك ، قال : إن جاري فلانا قد بلغ مني مبلغا أحب قتله ، قال : فأنا افتك به الساعة ، قال : لا أريد هذا ، وأخاف ألا يمكنك ، وإن أمكنك أحالوا ذلك علي ، ولكني دبرت أن تقتلني أنت وتطرحني على سطحه ، فيؤخذ ويقتل بي .
--> ( 1 ) البقرة : 71 .