العلامة المجلسي
247
بحار الأنوار
الفقير إذا نظر إلى شدة حاجته ، وحاجة عياله ، ورأي نعمة جزيلة مع الظلمة والفسقة وغيرهم ، ربما يقول : ما هذا الانصاف من الله ، وما هذه القسمة التي لم تقع على العدل ، فإن لم يعلم شدة حاجتي ففي علمه نقص ، وإن علم ومنع مع القدرة على الاعطاء ففي جوده نقص ، وإن منع لثواب الآخرة ، فان قدر على إعطاء الثواب بدون هذه المشقة الشديدة فلم منع ؟ وإن لم يقدر ففي قدرته نقص . ومع هذا يضعف اعتقاده بكونه عدلا جوادا كريما مالكا لخزائن السماوات والأرض ، وحينئذ يتسلط عليه الشيطان ، ويذكر له شبهات حتى يسب الفلك والدهر وغيرهما ، وكل ذلك كفر أو قريب منه ، وإنما يتخلص من هذه الأمور من امتحن الله قلبه للايمان ، ورضي عن الله سبحانه في المنع والاعطاء ، وعلم أن كل ما فعله بالنسبة إليه فهو خير له ، وقليل ما هم . الثالث ما ذكره الراوندي قدس سره في كتاب شرح الشهاب كما سيأتي حيث قال : معنى الحديث والله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المآكل الدنية والمطاعم الوبية ، وإذا وجد أولاده يتضورون من الجوع والعرى ، ورأي نفسه لا يقدر على تقويم أودهم ، وإصلاح حالهم ، والتنفيس عنهم ، كان بالحري أن يسرق ويخون ، ويغصب وينهب ، ويستحل أموال الناس ، ويقطع الطريق ويقتل المسلم ، أو يخدم بعض الظلمة ، فيأكل مما يغصبه ويظلمه ، وهذا كله من أفعال من لا يحاسب نفسه ولا يؤمن بيوم الحساب ، فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا وفي الأثر : عجبت لمن له عيال وليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف انتهى . وأقول : المعاني متقاربة ، والمال واحد ، وأما قوله عليه السلام : " وكاد الحسد أن يغلب القدر " فيه أيضا وجوه : الأول ما ذكره الراوندي ره في الكتاب المذكور على ما سيجئ أيضا حيث قال : المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود ، أو التمني لذلك ، فإنه ربما يحمله حسده على قتل المحسود وإهلاك ماله ، وإبطال معاشه ، فكأنه سعى في غلبة المقدور ، لان الله تعالى