العلامة المجلسي

205

بحار الأنوار

الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " . فهذا آخر أمره وهو معنى قوله عز وجل : " ثم إذا شاء أنشره " فما لمن هذا حاله والتكبر ؟ بل ماله وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر ؟ فقد ظهر له أول حاله ووسطه ، ولو ظهر آخره والعياذ بالله ربما اختار أن يكون كلبا وخنزيرا ليصير مع البهائم ترابا ، ولا يكون إنسانا يسمع خطابا ويلقى عذابا ، وإن كان عند الله مستحقا للنار فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع إذ أوله التراب وآخره التراب ، وهو بمعزل عن الحساب والعذاب ، والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق . ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته ، وقبح صورته ، ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ، ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقاه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيف ، فمن هذا حاله في العاقبة - إلا أن يعفى عنه ، وهو على شك من العفو - فكيف يتكبر ؟ وكيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد لها فضلا ؟ وأي عبد لم يذنب ذنبا استحق به العقوبة ، إلا أن يعفو الكريم بفضله . أرأيت من جنى على بعض الملوك بما استحق به ألف سوط ، فحبس في السجن وهو منتظر أن يخرج إلى العرض ، ويقام عليه العقوبة ، على ملا من الخلق وليس يدري أيعفى عنه أم لا ؟ فكيف يكون ذله في السجن ؟ وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه ، وقد استحق العقوبة من الله تعالى ، ولا يدري كيف يكون أمره فيكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا . فهذا هو العلاج العلمي القاطع لأصل الكبر ، وأما العلاج العملي فهو التواضع بالفعل لله تعالى ولسائر الخلق ، بالمواظبة على أخلاق المتواضعين ، وما وصل إليه من أحوال الصالحين ، ومن أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أنه كان يأكل على الأرض ، ويقول : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد . وقيل لسلمان : لم لا تلبس ثوبا جيدا ؟ فقال : إنما أنا عبد ، فإذا أعتقت يوما لبست ، أشار به إلى العتق في الآخرة .