العلامة المجلسي

201

بحار الأنوار

وسبب يقتضي الغضب والحقد ، ويدعو الحسد أيضا إلى جحد الحق حتى يمتنع من قبول النصح ، وتعلم العلم ، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده وأقاربه حسدا وبغيا عليه . وأما الرياء فهو أيضا يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى أن الرجل ليناظر من يعلم أنه أفضل منه ، وليس بينه وبينه معرفة ولا محاسدة ولا حقد . ولكن يمتنع من قبول الحق منه خيفة من أن يقول الناس : إنه أفضل منه . وأما معالجة الكبر واكتساب التواضع فهو علمي وعملي أما العلمي فهو أن يعرف نفسه وربه ، ويكفيه ذلك في إزالته ، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل ، وأقل من كل قليل بذاته ، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة ، وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا بالله . أما معرفة ربه وعظمته ومجده ، فالقول فيه يطول ، وهو منتهى علم الصديقين ، وأما معرفة نفسه فكذلك أيضا يطول ، ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة من كتاب الله تعالى فإنه في القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته ، وقد قال تعالى : " قتل الانسان ما أكفره * من اي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره " ( 1 ) فقد أشار الآية إلى أول خلق الانسان ، وإلى آخر أمره ، وإلى وسطه ، فلينظر الانسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية ، أما أول الانسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا ، وقد كان ذلك في كتم العدم ، دهورا ، بل لم يكن لعدمه أول فأي شئ أخس وأقل من المحو والعدم وقد كان كذلك في القدم ، ثم خلقه الله تعالى من أذل الأشياء ثم من أقذرها إذ خلقه من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ، ثم جعله عظاما ، ثم كسى العظام لحما . فقد كان هذا بداية وجوده ، حيث صار شيئا مذكورا ، فما صار مذكورا إلا

--> ( 1 ) عبس : 17 - 22 .