العلامة المجلسي

115

بحار الأنوار

وعزيزها مغلوب ، وضيفها منكوب ، وجارها محروم ، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته ، وهول المطلع ، والوقوف بين يدي إلهكم الحكم ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى . ألستم في مساكن من كان قبلكم ؟ كانوا أطول منكم أعمارا ، وأبقى منكم آثارا ، وأعد منكم عديدا ، وأكثف منكم جنودا ، وأشد منكم عنودا ، تعبدوا للدنيا اي تعبد ، وآثروها أي إيثار ، ثم ظعنوا عنها بالصغار ، وهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو عدت عنهم فيما أهلكتهم به بخطب ، بل أوهنتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعقرتهم بالمناخر ، وأعانها عليهم ريب المنون . فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها ، وآثرها أو أخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق أبد أو إلى آخر زوال ، هل زودتهم إلا السغب ؟ أو أحلتهم إلا إلى الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة ؟ أو أعقبتهم إلا النار ؟ ألهذه تؤثرون ؟ أم عليها تربصون ؟ أم إليها تطمئنون ، يقول الله عز وجل : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " ( 1 ) . فبئست الدار لمن لم يتهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها ، اذكروا عند تصرفها بكم سرعة انقضائها عنكم ، ووشك زوالها ، وضعف مجالها ، ألم تجدكم على مثال من كان قبلكم ، ووجدت من كان قبلكم على مثال من كان قبلهم ، جيل بعد جيل ، وأمة بعد أمة ، وقرن بعد قرن ، وخلف بعد خلف ، فلا هي تستحي من العار ، وما لا ينبغي من المبديات ، ولا تخجل من الغدر . اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد وإنما هي كما نعت الله عز وجل " لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد " ( 2 ) . فاتعظوا فيها بالذين كانوا يبنون ، بكل ريع آية يعبثون * ويتخذون مصانع

--> ( 1 ) هود : 15 و 16 . ( 2 ) الحديد : 20 .