عماد الدين حسن بن علي الطبري ( تعريب : فاخر )
192
كامل البهائي في السقيفة
ولقد كان أبو بكر أفقر بيت في أهل مكّه ، وكان معلّما للأطفال آداب الجاهليّة ، وكان سمسارا كما زعم الثعلبيّ ويبيع الكرابيس ، وأبوه صيّادا ، فمن أين جاءته هذه الثروة ليت شعري . وكان أكثر أهل مكّة قوم من الفقراء : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ « 1 » . ولمّا تلى أمير المؤمنين سورة براءة على أهل الموسم ونهى المشركين من الطواف في الكعبة ومنعوا من زيارتها ، شكى أهل مكّة الفقر وقالوا : كنّا نؤمن حاجتنا من نفقات الزوّار فأعطاهم اللّه تعالى الجزية المستوفاة من اليهود والنصارى وجعل ذبح الهدي لازما ، وأعطي للقانع والمعتر من فقرائهم . وتوجّه المدح من اللّه إلى فقراء المهاجرين في كلّ موضع أثنى فيه على الصحابة : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ « 2 » ، وقال : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً « 3 » وقال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً « 4 » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على المنبر في آخر عمره : اللهمّ هل بلّغت ، ويظهر من قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله هنا أنّه لم يتوان عن التبليغ ولقد بلّغ الأمر والنهي والحلال والحرام والشرائع بمجملها ، فلا مجال حينئذ للقياس والاجتهاد والاستحسان وهي أمور باطلة وعلل شرعيّة مندكّة في قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ « 5 » .
--> ( 1 ) التوبة : 28 . ( 2 ) الحشر : 8 . ( 3 ) البقرة : 273 . ( 4 ) المائدة : 3 . ( 5 ) المائدة : 44 .