شهاب الدين أحمد الإيجي

507

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل

حرم اللّه تعالى ، وفي مثل هذه الأيّام الشريفة ، فلم تيأس من المغفرة ؟ قال : يا هذا ، إنّ ذنبي عظيم ، فقلت : أعظم من جبال تهامة ؟ قال : نعم ، قلت : أعظم من الجبال الرواسي ؟ قال : نعم ، فإن شئت أخبرتك ، فقلت : أخبرني ، فقال : تخرج من الحرم ؟ فخرجنا حتّى أتينا شعب أبي طالب ، فقلت : حدّثني فقد كادت نفسي تذهب من هول ما تهدد ، فقال : أنا أحد من كان في عسكر الشّقي المشئوم عمر بن سعد حين قاتل الحسين عليه السّلام ، وكنت أحد الأربعين الذين حملوا الرأس المكرّم إلى يزيد من الكوفة ، فلمّا حملناه من طريق الشام ، نزلنا على دير للنصارى ، وكان الرأس معنا مركوزا على رمح ، ومعه الأحراس ، فوضعنا الطعام وجلسنا لنأكل ، فإذا بكفّ عن حائط الدير تراءى لنا مكتوب عليها ، وقيل : كتبت على الجدار : أترجو أمّة قتلت حسينا * شفاعة جدّه يوم الحساب قال : فجزعنا من ذلك جزعا شديدا ، وأهوى بعضنا إلى الكفّ ليأخذها ، ففلتت ، ثم عاد أصحابي إلى الطعام ، فإذا الكفّ تراءى ، فقام أصحابنا إليها ، ففلتت ، فامتنعت من الطعام وما هنّأني أكله ، ثم أشرف علينا راهب ، فقال : من أين جئتم ؟ قالوا : من العراق ، حاربنا الحسين بن عليّ ، فقال الراهب : ابن فاطمة الزهراء ؟ قالوا : نعم ، قال : ابن بنت نبيكم ؟ قالوا : نعم ، قال : تبّا لكم يا معشر القوم ، واللّه لو كان لعيسى عليه السّلام ابن لحملناه على أحداقنا ، ولكن لي إليكم حاجة ، عندي عشرة ألف دينار ورثتها عن جدّي ، أعطيكم وتعطوني الرأس يكون عندي الليلة ، فقالوا : هات ، فأعطاهم في جرابين ، فنظر عمر بن سعد رئيسهم إلى الناقد والوزّان ، فنقدها ووزنها ووضعها ثانيا في الجراب ، وأعطى الرأس إلى الراهب ، فأخذ الرأس فغسّله ونظّفه وحشاه بمسك وكافور ، ولفّه في حريرة ووضعه في حجره ، ولم يزل يبكي وينوح حتّى تنفّس الصباح ، وطلبوا منه الرأس ، فقال : يا رأس ، واللّه ما أملك إلّا نفسي ، فإذا كان غدا فأشهد لي عند جدّك محمد صلّى اللّه عليه وآله أنّي أشهدك أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، أسلمت ببركات النور الذي يسطع من قمّتك ، وأنا مولاك ، ثم قال للقوم : إنّي أحتاج أن أكلّم رئيسكم بكلمة ، وأعطيكم الرأس ، فدنا عمر بن سعد منه ، فقال : سألتك باللّه عزّ وجلّ وبحقّ