شهاب الدين أحمد الإيجي
400
فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل
ولا بدّ أنّه مدركك يوما ، فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتوبة ، فتحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك . وأعلم أنّ من كانت مطيّته الليل والنهار فإنّه يسار به وإن كان لا يسير ، أبى اللّه تعالى إلّا خراب الدنيا وعمارة الآخرة ، يا بني أكثر ذكر الموت ، وذكر ما يهجم عليك ، وتفضي بعد الموت إليه ، واجعله أمامك حتّى يأتيك ، وقد أخذت منه حذرك لا يأخذك على غرّتك ، واذكر الآخرة وما فيها من النعيم المقيم والعذاب الأليم ، فإنّ ذلك يزهّدك في الدنيا ويصغّرها عنك ، وقد نبّأك اللّه تعالى عنها ، ونعت إليك نفسها ، وكشفت لك عن مساويها ، وإيّاك وإن تغترّ بما ترى من إخلاد أهلها إليها ، وتكالبهم إليها تكلاب كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهرّ بعضها على بعض ، ويأكل عزيزها ذليلها ، وكبيرها صغيرها ، وكثيرها قليلها ، فإن تزهد فيما زهّدتك فيه منها ، وترغب بنفسك عنها ، فأهل ذلك هي ، وإن تكن غير قابل نصيحتي فاعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك ، وإنّك في سبيل من كان قبلك ، فاخفض في الطلب ، وأجمل في المكتسب ، فربّ طلب دعا إلى خرب ، وليس كلّ طالب بناج ، ولا كلّ مجمل بمحتاج ، وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرغب ، فإنّك لن تعتاض بما تبدّل من نفسك عوضا ، وإيّاك أن يوجف بك الطمع فيهديك إلى طبع ، ولا تأمن خدع الشيطان ، واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء مع حسن التدبير ، وحفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يد غيرك ، والعفاف مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الإسراف ، وحسن اليأس خير من الطلب إلى الناس ، المرء أحفظ لسرّه ، ربّ ساع فيما يضرّه ، إيّاك والاتّكال على الأماني فإنّها بضائع النوكى ، وتثبط عن خير الآخرة والدنيا . أي بني ، من أكثر هجر ، ومن تفكّر أبصر ، ومن اعتبر اغتبط ، ومن خير حظّ المرء قرين صالح ، فقارن أهل الخير تكن معهم ، وباين أهل الشر تبن عنهم ، ولا تكن عبدا لغيرك وأنت حرّ ، وما خير خير لا ينال إلّا بشرّ ، ولا يغلبنّ عليك سوء الظنّ . فإنّه لن يدع بينك وبين خليل لك صلحا ، وقد يقال من الحزم سوء الظنّ . أي بني ، بئس الطعام الحرام ، وظلم الضعيف أفحش الظلم ، والفاحشة كاسمها ، وكثرة العلل آية البخل ، ولبعض إمساكك عن أخيك مع لطف خير من بذل مع عنف .