شهاب الدين أحمد الإيجي

398

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل

ولا يمكن أن يتأدّى هذه المعاني الدقيقة المحقّقة بلفظ أحسن من هذه الألفاظ ، فجزى اللّه المرتضى أمير المؤمنين من بيانه للحقائق ، وإرشاد السالكين إلى أمثل الطرائق ، أفضل ما يجزي نبيّ وصيّ عن وصيّه ، ووليّ عن وليّه . 1042 ومن بدائع كلماته عليه السّلام وروائع عطائه ما كتب إلى ابنه الإمام أبي محمد الحسن عليهما السلام والتحيّة : بسم اللّه الرحمن الرحيم . من الوالد الفاني المقرّ للزّمان ، المدبر العمر ، المستسلم للدهر ، الذامّ للدنيا ، التارك لها ، الساكن مساكن الموتى ، الظاعن إليهم غدا إلى الولد ، المؤمّل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ، ورهينة الأيّام ، ورمية المصائب ، وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ، وأسير الموت ، وقريع الهموم ، وقرين الأحزان ، ونصب الآفات ، وصريع الشهوات ، وحليف الموت ، أو قال : وخليفة الأموات . أمّا بعد ، فإنّه كان فيما تبيّن لي من إدبار الدنيا عنّي ، وجموح الدهر عليّ ، وإقبال الآخرة إليّ ، ما يزعني عن ذكر من سواي ، والاهتمام بما ورائي ، غير أنّه حيث تفرّد بي - دون همّ الناس - همّي ، فصدّقني رأيي ، وتصرّف بي هوائي ، وصرّح لي بمحض أمري ، فأفضى بي إلى جدّ لا يزري به لعب ، وصدق لا يشوبه كذب ، ووجدتك بعضي ، بل وجدتك منّي كلّي ، حتّى لو أنّ شيئا أصابك أصابني ، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ، فكتبت إليك يا بني كتابي هذا ، إن أنا بقيت لك أو فميّت . أوصيك بتقوى اللّه ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكر اللّه تعالى وتبارك ، والاعتصام بحبله ، وأيّ سبب أوثق من سبب فيما بينك وبين اللّه تعالى إن أخذت به ، فأحيي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزهد ، وذلّله بذكر الموت ، وقوّه باليقين ، وقرّره بالفناء ، وزهّده في الدنيا ، وبصّره بفجائع الدنيا ، وحذّره صولة الدهر ، واخش تقلّب الأيّام ، وأعرض عن الجهل ، وانظر من كان قبلك سيرة في ديارهم وآثارهم ، فانظر ما فعلوا ، وأين حلّوا ، وعمّا انتقلوا ، فإنّك تجدهم قد انقلبوا عن دار الأحياء ، وانتقلوا عن الأحبّة وحلّوا دار الغربة ، وناد في ديارهم : أيّتها الديار الخالية ، أين أهلك ؟ ثم قف على قبورهم ، فقل : أيّتها الأجساد البالية ، والعظام النخرة ،