الشيخ السبحاني
48
سيد المرسلين
القديم والجديد ، ولكن تنامي قوة المسلمين واشتداد ساعدهم أحدث رعبا كبيرا ، وأوجد قلقا واسعا في أوساط اليهود القاطنين في المدينة لأن تقدّم الاسلام والمسلمين المطرد كان يدلّ على أن الدين الاسلامي سيعمّ في أقرب وقت كل أنحاء شبه الجزيرة العربية ، وستتقلّص ( بل تزول ) في المقابل قوة اليهود وسلطانهم ، ومكانتهم ، من هنا نصب أحبار اليهود العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وعمدوا إلى ممارسة سلسلة من الأعمال الإجهاضية والإيذائية . ( 1 ) لقد أخذوا يؤذون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والمسلمين بمختلف أنحاء الطرق وبشتى الوسائل والسبل ، والمعاذير والحجج ومن جملتها التذرع بقضيّة صلاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والمسلمين إلى بيت المقدس . فكانوا يقولون معيّرين إياه : أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا ! ! أو كانوا يقولون : تخالفنا يا محمّد في ديننا وتتبع قبلتنا « 1 » . فشقّ هذا الكلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله واغتم لذلك غما شديدا فكان يخرج من بيته في منتصف الليل ويتطلع في آفاق السماء ينتظر من اللّه أمرا ووحيا في هذا المجال كما تفيد الآية الآتية : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها » « 2 » . ( 2 ) ويستفاد من الآيات القرآنية في هذا المجال أنه كان لتغيير القبلة مضافا إلى الردّ على دعوى اليهود سبب آخر أيضا . وهو أن هذه المسألة كانت من المسائل الاختبارية التي أراد اللّه تعال بها ان يمتحن المسلمين ، ويميّز المؤمن الواقعي الحقيقي عن أدعياء الايمان ، المنتحلين له كذبا ونفاقا ، وأن يعرف النبيّ صلّى اللّه عليه وآله به من حوله معرفة جيدة لأن اتباع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الأمر الثاني الذي نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أثناء الصلاة ( وهو التوجه إلى المسجد الحرام ) كان علامة قوية
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 1 ص 255 أو : ما درى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم . ( 2 ) البقرة : 144 .